للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتفرق النَّاس للْأَكْل وَالصَّلَاة، وَاجْتَهَدت بهم أَن يجتمعوا، ويبيتوا تَحت السِّلَاح، فخالفوني، وَكَانُوا قد كلوا وتعبوا، ونام أَكْثَرهم.

فغشيتنا الْخَيل، فَلم يكن عندنَا امْتنَاع، فوضعوا فِينَا السيوف، وَكنت أَنا الْمَطْلُوب خَاصَّة، لما شاهدوه من تدبيري الْقَوْم برأيي، وَعَلمُوا أَنِّي رَئِيس الْقَافِلَة، فقطعوني بِالسُّيُوفِ، ولحقتني هَذِه الْجِرَاحَات كلهَا، وَفِي بدني أضعافها.

قَالَ: وَقد كشف لنا عَن أَكثر جسده، فَإِذا بِهِ أَمر عَظِيم هالنا، وَلم نره فِي بشر قطّ.

قَالَ: وَكَانَ فِي أَجلي تَأْخِير، فرميت نَفسِي بَين الْقَتْلَى، لَا أَشك فِي تلفي، وَسَاقُوا الْجمال والأمتعة وَالْأسَارَى.

فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، أَفَقْت، فَوجدت فِي نَفسِي قُوَّة، والعطش قد اشْتَدَّ بِي، فَلم أزل أتحامل، حَتَّى قُمْت أطلب فِي الْقَافِلَة سطيحة قد أفلتت، أشْرب مِنْهَا، فَلم أجد شَيْئا.

وَرَأَيْت الْقَتْلَى والمجروحين الَّذين هم فِي آخر رَمق، وَسمعت من أنينهم مَا أَضْعَف نَفسِي، وأيقنت بالتلف.

وَقلت: غَايَة مَا أعيش إِلَى أَن تطلع الشَّمْس.

فتحاملت أطلب شَجَرَة أَو محملًا قد أفلت، لأجعله ظلًا لي من الشَّمْس إِذا طلعت.

فَإِذا أَنا قد عثرت بِشَيْء لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فِي الظلمَة، فَإِذا أَنا منبطح عَلَيْهِ بطولي وَطوله.

فثار من تحتي، وعانقته، وَقدرته رجلا من الْأَعْرَاب، فَإِذا هُوَ أَسد.

فحين علمت ذَلِك طَار عَقْلِي، وَقلت: إِن استرخيت افترمني، فعانقت

<<  <  ج: ص:  >  >>