للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(فَصَرِيحُهُ الطَّلَاقُ) لِاشْتِهَارِهِ فِيهِ لُغَةً وَشَرْعًا، (وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ) لِوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ، بِمَعْنَاهُ قَالَ تَعَالَى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} [الأحزاب: ٤٩] ، وَقَالَ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] ، وَالثَّانِي أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَهِرَا اشْتِهَارَ الطَّلَاقِ، وَيُسْتَعْمَلَانِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ وَمِثَالُ لَفْظِ الطَّلَاقِ، (كَطَلَّقْتُك وَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ) ، بِفَتْحِ الطَّاءِ (وَيَا طَالِقُ لَا أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ فِي الْأَصَحِّ) ، لِأَنَّ الْمَصَادِرَ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْيَانِ تَوَسُّعًا فَيَكُونَانِ كِنَايَتَيْنِ.

وَالثَّانِي أَنَّهُمَا صَرِيحَانِ كَقَوْلِهِ يَا طَالِقُ وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرَ فَارَقْتُك وَسَرَّحْتُك فَهُمَا صَرِيحَانِ، وَأَنْتِ مُفَارَقَةٌ وَمُسَرَّحَةٌ وَيَا مُفَارَقَةُ وَيَا مُسَرَّحَةُ، فَهِيَ صَرِيحَةٌ وَقِيلَ كِنَايَةٌ لِأَنَّ الْوَارِدَ فِي الْقُرْآنِ، مِنْ اللَّفْظَيْنِ الْفِعْلُ دُونَ الِاسْمِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: ٢٢٨] وَأَنْتِ فِرَاقٌ وَالْفِرَاقُ وَسَرَاحٌ وَالسَّرَاحُ فَهِيَ كِنَايَاتٌ فِي الْأَصَحِّ، (وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ) ،

ــ

[حاشية قليوبي]

قَوْلُهُ: (فَصَرِيحُهُ الطَّلَاقُ) أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ وَيُضَافُ إلَيْهَا مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ، وَمَا يَأْتِي فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ وَنَحْوُ نَعَمْ فِي جَوَابِ أَطَلَّقْت زَوْجَتَك، وَالْعِبْرَةُ فِي الْكُفَّارِ أَيْ فِي الصَّرِيحِ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صَرَاحَتَهُ، وَإِنْ خَالَفَ مَا عِنْدَنَا مَا لَمْ يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا. قَوْلُهُ: (لِوُرُودِهِمَا) فَمَأْخَذُ الصَّرَاحَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وُرُودُ اللَّفْظِ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ اشْتِهَارُهُ مَعَ وُرُودِ مَعْنَاهُ، فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَا وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ الْكِنَايَةِ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَإِنْ اشْتَهَرَ فِي الطَّلَاقِ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا. قَوْلُهُ: (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) التِّلَاوَةُ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] فَلَعَلَّهُ مِنْ تَحْرِيفِ الشَّارِحِ.

قَوْلُهُ: (كَطَلَّقْتُك) فَلَا بُدَّ مِنْ إسْنَادِ اللَّفْظِ لِلْمُخَاطَبِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا. قَوْلُهُ: (وَأَنْتِ طَالِقٌ) وَالطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي أَوْ وَاجِبٌ عَلَيَّ وَيَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ، وَيَلْزَمُك الطَّلَاقُ وَعَلَيْك الطَّلَاقُ وَطَلَّقَك اللَّهُ وَأَنْتِ نِصْفُ طَالِقٍ، وَأَنْتِ طَالِقَانِ وَطَوَالِقُ وَيَقَعُ وَاحِدَةً فَقَطْ، وَيَقَعُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى سَائِرِ الْمَذَاهِبِ ثَلَاثٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِمَنْعِ الثَّلَاثِ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ ثَلَاثًا وَقَعَ وَاحِدَةً، فَإِنْ أَرَادَ طَلَاقًا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْمَذَاهِبُ رَجَعَ إلَى ذَلِكَ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ شَيْخِنَا مُخَالَفَةٌ لِذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ وَإِبْدَالُ الطَّاءِ مُثَنَّاةً كِنَايَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ لِمَنْ هِيَ لُغَتُهُ، وَكَذَا الطَّلَاقُ فَرْضٌ أَوْ لَزِمَنِي كِنَايَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

تَنْبِيهٌ: الْمُعْتَمَدُ فِي عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَنَّهُ صَرِيحٌ وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ عَدَمُ الْوُقُوعِ بِهِ وَإِنْ نَوَى لِأَنَّهَا صِيغَةُ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ وَمِثْلُهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ الطُّوسِيِّ تِلْمِيذِ ابْنِ يَحْيَى صَاحِبِ الْغَزَالِيِّ، وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِئِ وَصَحَّحَهُ فِي رَوْضِهِ، وَعَلَيَّ الْفِرَاقُ وَعَلَيَّ السَّرَاحُ كِنَايَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَعَلَيَّ الطَّلَاقُ مَا أَفْعَلُ كَذَا مُعَلَّقٌ عَلَى الْفِعْلِ وَأَمَّا نَحْوُ عَلَيَّ الطَّلَاقُ، مِنْ فَرَسِي مَثَلًا فَهُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَسَيَأْتِي وَأَمَّا الطَّلَاقُ مَا فَعَلْت كَذَا، أَوْ فَعَلْته وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَغْوٌ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الطَّاءِ) أَيْ مَعَ فَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَمَّا مَعَ كَسْرِهَا فَكِنَايَةٌ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَارِدَ إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ رَدُّ هَذَا مِنْ أَنَّهُ يَكْفِي فِيمَا اُشْتُهِرَ وُرُودُ مَعْنَاهُ. قَوْلُهُ: (وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ) أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْ لَفْظِهِ صَرِيحٌ لَا مِنْ لَفْظِ السَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ بَلْ هُمَا كِنَايَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا.

ــ

[حاشية عميرة]

قَوْلُهُ: (وَبِكِنَايَةٍ) احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ «بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَائِذَةِ الْحَقِي بِأَهْلِك» وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ عِنْدَ فَقْدِ النِّيَّةِ بِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَلْحِقِي بِأَهْلِك وَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْأَمْرِ حَيْثُ لَمْ تَطْلُقْ مِنْهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ وَلَوْ تَكَلَّمَ سِرًّا بِحَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ فَنَقَلَا قَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَدَمَ الْوُقُوعِ. قَوْلُهُ: (وَغَيْرَهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَعْنًى.

قَوْلُهُ: (لِاشْتِهَارِهِ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ تَنْبِيهٌ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ كُلُّ مَا كَانَ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ حُكْمُ الصَّرِيحِ وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً عِنْدَنَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ كِنَايَةً عِنْدَنَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ كِنَايَةً عِنْدَهُمْ يُعْطَى حُكْمُهَا، وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا عِنْدَنَا لِأَنَّ عُقُودَهُمْ تُلْحَقُ بِمُعْتَقِدِهِمْ فَكَذَا طَلَاقُهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَالسَّرَاحُ) قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ يُقَالُ سَرَّحْت النَّاقَةَ إذَا أَرْسَلْتَهَا. أَقُولُ وَظَاهِرٌ أَنَّ الطَّلَاقَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] فِيهِ أَنَّ التِّلَاوَةَ {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: ٢] .

قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي أَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ) قَدْ يُؤَيَّدُ بِمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ قَالَ لِوَاحِدَةٍ فَارَقْتُك، فَإِنَّهُ فَسْخٌ لِإِطْلَاقٍ عَلَى الْأَصَحِّ. قَوْلُهُ: (وَأَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ) لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْخَبَرِ أَوْ الْمُبْتَدَأِ أَوْ حَذَفَ حَرْفَ النِّدَاءِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْوُقُوعِ، وَإِنْ نَوَى وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ فِي طَالِقٍ اهـ.

وَقَوْلُهُ وَأَنْتِ مُفَارِقَةٌ إلَخْ. يَعْنِي إذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ السَّابِقِ فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ وَأَنْتِ فِرَاقٌ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَارَقْتُك إلَخْ.

قَوْلُهُ: (كَقَوْلِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ لِكَثْرَةِ إيقَاعِ الْمَصْدَرِ مَوْقِعَ اسْمِ الْفَاعِلِ حَتَّى صَارَ ظَاهِرًا فِيهِ.

قَوْله: (وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرَ فَارَقْتُك إلَخْ) الْمُرَادُ بِمَا ذَكَرَ قَوْلُهُ طَلَّقْتُك إلَى قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ الصَّرِيحِ مُنْقَاسٌ عَلَى الصَّرِيحِ، وَالْكِنَايَةُ مُنْقَاسَةٌ عَلَى الْكِنَايَةِ.

قَوْلُهُ: (فَهُمَا صَرِيحَانِ) أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ.

قَوْلُهُ: (وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ إلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الطَّلَاقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا خُصُوصُ لَفْظِهِ فَيُوَافِقُ مَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ

<<  <  ج: ص:  >  >>