للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ الَّذِي يَأْتِي ضَابِطُهُ. (هُوَ جَائِزٌ إنْ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ الْغَائِبِ (بَيِّنَةٌ) بِمَا يُدَّعَى بِهِ (وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ فَإِنْ قَالَ هُوَ سَفَرٌ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ) وَلَغَتْ دَعْوَاهُ (فَإِنْ أَطْلَقَ) أَيْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِجُحُودِهِ وَلَا إقْرَارِهِ (فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا) أَيْ بَيِّنَتُهُ (تُسْمَعُ) لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْلَمُ جُحُودَهُ وَلَا إقْرَارَهُ وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعْ عَلَى السَّاكِتِ فَلْتُجْعَلْ غَيْبَتُهُ كَسُكُوتِهِ وَالثَّانِي نَظَرَ إلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا عِنْدَ الْجُحُودِ. .

(وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ نَصْبُ مُسَخَّرٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ. (يُنْكِرُ عَنْ الْغَائِبِ) لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ مُنْكِرًا وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ لِتَكُونَ الْبَيِّنَةُ عَلَى إنْكَارِ مُنْكِرٍ وَعَدَمُ اللُّزُومِ يَصْدُقُ بِمَا.

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّ الْقَاضِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّصْبِ وَعَدَمِهِ. .

(وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ) أَيْ الْمُدَّعِي (بَعْدَ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ) احْتِيَاطًا لِلْغَائِبِ لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رُبَّمَا ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ مِنْهُ. (وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ) فَلَهُ تَرْكُهُ وَبَابُ تَدَارُكِهِ إنْ كَانَ هُنَاكَ دَافِعٌ غَيْرُ مُنْحَسِمٍ (وَيَجْرِيَانِ) أَيْ الْوَجْهَانِ (فِي دَعْوَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ) ، أَوْ مَيِّتٍ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ وَإِنْ كَانَ فَيَحْلِفُ بِسُؤَالِ الْوَارِثِ وَالْوُجُوبِ فِيهِمْ أَوْلَى لِعَجْزِهِمْ عَنْ التَّدَارُكِ. .

(وَلَوْ ادَّعَى وَكِيلٌ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا تَحْلِيفَ) .

ــ

[حاشية قليوبي]

بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ قَدْ خَالَفَ فِي هَذَا الْبَابِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فَلَمْ يَقُولُوا بِهِ. قَوْلُهُ: (بَيِّنَةٌ) أَيِّ عَلِمَهَا الْحَاكِمُ وَلَوْ بَعْدَ الدَّعْوَى وَقَبْلَ الْقَضَاءِ وَلَوْ عَبَّرَ بِحُجَّةٍ كَانَ أَوْلَى لِيَدْخُلَ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْحُجَّةُ عَلَى الْحَقِّ أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ وَخَالَفَ شَيْخُنَا فِي هَذِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ هُنَا الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ إلَّا إنْ كَانَ رَدُّهَا قَبْلَ غِيبَتِهِ لَكِنْ فِي هَذِهِ لَيْسَتْ الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَالَ هُوَ مُقِرٌّ) وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ مُمْتَنِعٌ فَإِنْ قَالَ هُوَ مُقِرٌّ لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ أَوْ لَكِنْ لَا يَقْبَلُ إقْرَارَهُ سُمِعَتْ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ بِالْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: (لَمْ تُسْمَعْ) نَعَمْ إنْ كَانَ لِلْغَائِبِ مَالٌ حَاضِرٌ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِيُوَفِّيَ لَهُ الْقَاضِي حَقَّهُ مِنْهُ لَا لِيَكْتُبَ الْقَاضِي إلَى بَلَدِ الْغَائِبِ سَمِعْت عَلَى الْمُعْتَمِدِ وَإِنْ قَالَ هُوَ مُقِرٌّ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ وَدِيعَةً أَتْلَفَهَا بِتَقْصِيرٍ لِأَنَّ لِلْقَاضِي الْوَفَاءَ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّصْبِ وَعَدَمِهِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَأُجْرَتُهُ عَلَى الْغَائِبِ فَرَاجِعْهُ، وَجَازَ إنْكَارُ الْمُسَخَّرِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لِلْمَصْلَحَةِ.

قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ حُجَّتُهُ يَمِينًا مَعَ شَاهِدٍ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ يَمِينَانِ وَمَحَلُّ وُجُوبِ تَحْلِيفِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ نَائِبٌ حَاضِرٌ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ إلَّا بِسُؤَالِهِ وَخَرَجَ بِالْغَائِبِ الْحَاضِرُ فَلَا يَجِبُ التَّحْلِيفُ، وَإِنْ ارْتَابَ الْقَاضِي فِي الْبَيِّنَةِ كَالْغَائِبِ الْمُتَوَارِي وَالْمُتَعَزِّزِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْبَيِّنَةِ) أَيْ وَبَعْدَ تَعْدِيلِهَا.

قَوْلُهُ: (ثَابِتٌ) أَيْ مُسْتَمِرُّ الثُّبُوتِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ وَلَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِصِدْقِ شُهُودِهِ لِكَمَالِ الْحُجَّةِ هُنَا خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَشَرْحِ شَيْخِنَا كَابْنِ حَجَرٍ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَخَرَجَ بِالدَّعْوَى بِالْحَقِّ الدَّعْوَى بِإِسْقَاطِهِ، كَقَوْلِهِ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْتُهُ أَوْ أَبْرَأَنِي مِنْهُ، وَأَخَافُ مُطَالَبَتَهُ وَلِي حُجَّةٌ بِذَلِكَ فَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَلَا الْبَيِّنَةُ لِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ.

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَالطَّرِيقَةُ لِسَمَاعِهِمَا أَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ الْغَائِبَ أَحَالَهُ بِهِ، وَيَعْتَرِفُ مُرِيدُ الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ وَالْحَوَالَةِ وَيَدَّعِي الْإِبْرَاءَ، أَوْ الْقَضَاءَ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ بِذَلِكَ.

قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَالْحَاضِرُ فِي هَذَا كَالْغَائِبِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَالَ فِي الْعُبَابِ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ سُقُوطُ الْمُطَالَبَةِ لَا الْبَرَاءَةِ، وَلَا يَمِينُ اسْتِظْهَارٍ فِي غَيْرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ. قَوْلُهُ: (عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ) وَمِثْلُهُمَا السَّفِيهُ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ إلَخْ) فَلَا بُدَّ مِنْ سُؤَالِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْغَائِبِ وَلَوْ جَهِلَ السُّؤَالَ أَعْلَمَهُ الْحَاكِمُ بِهِ وَمِثْلُهُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ سُؤَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ جَازَ لِلْحَاكِمِ التَّحْلِيفُ، وَلَا يَجِبُ وَلَوْ سُئِلَ الْحَاكِمُ يَحْلِفُ وَلَمْ يُنَفِّذُ حُكْمَهُ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفِي عَكْسِ مَا ذَكَرَهُ بِأَنْ ادَّعَى وَلِيٌّ لِمُوَلِّيهِ شَيْئًا عَلَى شَخْصٍ آخَرَ أَوْ عَلَى وَلِيِّهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَجَبَ انْتِظَارُ كَمَالِ الْمُدَّعِي لَهُ لِيَحْلِفَ ثُمَّ يَحْكُمُ لَهُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، نَعَمْ لَوْ ادَّعَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْقِطًا كَإِبْرَاءِ مُورِثِ الصَّبِيِّ أَوْ اسْتِيفَائِهِ أَوْ إشْهَادٍ عَلَى رَسْمِ الْقُبَالَةِ لَمْ يَعْتَبِرْ دَعْوَاهُ وَيُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْمَالِ حَالًّا، وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى كَمَالِ الصَّبِيِّ لِيَحْلِفَ كَمَا يَأْتِي فِي دَعْوَى الْوَكِيلِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ صِحَّةُ الدَّعْوَى عَلَى الصَّبِيِّ، وَلَوْ مَعَ حُضُورِ وَلِيِّهِ وَقَوْلُهُمْ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا عَلَيْهِ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْبَيِّنَةِ.

وَقَالَ الْخَطِيبُ الدَّعْوَى عَلَى الصَّبِيِّ بِمَعْنَى الدَّعْوَى عَلَى وَلِيِّهِ. قَوْلُهُ: (لِعَجْزِهِمْ عَنْ التَّدَارُكِ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذَا كَمَلَا لَيْسَ لَهُمَا نَقْضُ مَا وَقَعَ وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، لَهُمَا ذَلِكَ كَمَا فِي الْغَائِبِ إذَا حَضَرَ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ ادَّعَى وَكِيلٌ) قَالَ شَيْخُنَا عَنْ غَائِبٍ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْوَجْهُ صِحَّةُ الدَّعْوَى مِنْ الْوَكِيلِ مُطْلَقًا لَكِنْ يُقَيَّدُ عَدَمُ التَّحْلِيفِ بِكَوْنِ الْمُوَكِّلِ فِي تِلْكَ الْمَسَافَةِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ وَحَلِفِهِ وَلَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ قَبْلَهُ، فَإِنْ حُمِلَ

ــ

[حاشية عميرة]

[بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ]

ِ إلَخْ قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا يَتَعَذَّرُ فِي الْغَائِبِ.

قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَعْدَ الْبَيِّنَةِ) أَيْ وَبَعْدَ تَعْدِيلِهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (إنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ إلَخْ) .

قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَعَلَّ الْمُرَادَ مُسْتَمِرُّ الثُّبُوتِ وَإِلَّا فَالْغَائِبُ نَفْسُهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَطَلَبَ هَذَا مَعَ الْبَيِّنَةِ لَأُجِيبَ.

<<  <  ج: ص:  >  >>