للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولابد من النية لوقوع الطلاق الكنائي: لأن اللفظ يحتمل الطلاق وغيره، فلا يُصرف إلى الطلاق إلا بنية، وأما وقوعه بالنية فلأن اللفظ يحتمله فيصرف إليه بها.

* فائدة: هل تَحل قرائن الحال محلَّ النية في وقوع الطلاق الكنائي؟ (١).

فلو قال الرجل لزوجته في حال غضبع وشجاره معها: (الحقي بأهلك) (٢) ولم ينو الطلاق، فهل يقع؟

١ - ذهب الحنفية وهو المعتمد عند الحنابلة أن القرائن تحل محلَّ النية في الطلاق الكنائي، فيقع الطلاق عندهم في هذه الحالة وإن لم ينوه (!!)

٢ - وأما المالكية والشافعية -وهو رواية عند الحنابلة- فلم يعتبروا قرائن الحال هنا، فلا يقع الطلاق عندهم باللفظ الكنائي إلا إذا نوى الطلاق.

قلت: وهذا هو الأرجح، والله أعلم.

* إذا طلَّق امرأته في نفسه ولم يتلفَّظ به لم يقع:

لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (٣).


(١) «ابن عابدين» (٣/ ٢٤٧)، و «الدسوقي» (٢/ ٣٧٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢٨٠)، و «المغني» (٧/ ٣٢٢).
(٢) اختلف العلماء في قوله (الحقي بأهلك) هل هو من ألفاظ الطلاق يقع به الطلاق أصلًا أو لا؟ والذي يظهر أنه لا يقع به طلاق، وأما حديث عائشة: أنَّ ابنة الجون لما أُدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: «لقد عُذت بمعاذ، الحقي بأهلك» فليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عقد عليها، ويؤيده أنه في بعض طُرق البخاري (٥٢٥٧) أنه - صلى الله عليه وسلم - لما دخل عليها قال: «هبي نفسك لي ...».
ورواية عند البخاري (٥٦٣٧)، ومسلم (٢٠٠٧) أنها لما قالت: «أعوذ بالله منك، قال: «قد أعذتك مني» فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ فقالت: لا، قالوا: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء ليخطبك ... الحديث» ففيهما أنه لم يكن عقد عليها.
ويؤيد هذا أيضًا ما في البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) في قصة كعب بن مالك وصاحبيه: «... فقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها؟ أو ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها ... فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر» وهو صريح في أن هذا اللفظ لا يعد طلاقًا، لكن قد جاء في قصة إسماعيل - عليه السلام - مع زوجته لما أخبرته بمجيء الشيخ وطلبه منه أن يغيِّر عتبة بابه، فقال إسماعيل - عليه السلام -: «ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلَّقها ...» الحديث رواه البخاري (٣٣٦٤)، فلو قيل: هو من الألفاظ الكنائية في الطلاق التي يقع بها إذا وجدت النية، لأجل هذا الحديث، فليس هذا ببعيد كذلك، والله تعالى أعلم.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>