للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فبشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبول إسلامه وأمره أن يعتمر فلما وصل ثمامة مكة قال له قائل: صبوت؟

فقال ثمامة: لا والله. ولكن أسلمت مع محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولتتذكرو اما يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - (١).

ولما وصل ثمامة إلى بلده منع الحبوب التي كانت ترسل إلى مكة وأقلق وقف إرسال الحبوب أهل مكة، فاضطروا إلى اللجوء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكتب النبي إلى ثمامة ليسمح بإرسال الحبوب كالمعتاد (وكان أهل مكة في هذه الأيام أشد الناس عداوة للنبي).

وتدل هذه القصة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عفا عن شخص كان يعتبر نفسه واجب القتل (٢) وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يترك أثرا عميقا في قلوب الناس بسلوكه الطيب وأخلاقه السامية، لدرجة أن رجلا مثل ثمامة كان يحمل في قلبه عداء مستحكما للإسلام وللمدينة وللنبي يعلن إسلامه برغبة وقناعة خلال ثلاثة أيام فقط.

وليس هذا فقط بل إن رحمة النبي وطبيعته الخيرة دفعته إلى السماح بإرسال الحبوب لأولئك الكفار في مكة الذين أخرجوه من دياره، وبذلوا كل طاقاتهم للقضاء على النبي والمسلمين في بدر وأحد والخندق، ولم يقبل النبي أن يضيق عليهم، وليس ذلك إلا دليلا على أنه رحمة للعالمين كافة.

[صلح الحدبية (٦ هـ)]

وفي هذه السنة (٦ هـ) قص النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين رؤياه فقال: رأيت أني دخلت الكعبة مع المسلمين فطفنا بالبيت.

ولما سمع المسلمون المهاجرون هذه الرؤيا، اشتاقوا بشدة إلى الطواف حول بيت الله فحملوا النبي على السفر إلى مكة هذا العام، ولم يأخذ المسلمون معهم من المدينة أسلحتهم بل ساقوا معهم الهدي، وكان السفر في شهر ذي القعدة، وهو من الشهور التي


(١) انظر صحيح البخاري عن أبي هريرة، كتاب المغازي.
(٢) لم تبين هذه الرواية سبب اعتقال ثمامة رئيس نجد، ولكن المؤكد أن اعتقاله كان على أثر جريمة ارتكبها، لأنه بنفسه رأى أن قتله واجب، وحين أفرج عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - دون شرط أو معارضة، ولم يأمره بتغيير دينه، تأثر ثمامة كثيرا بخلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وإحسانه إليه، فكان سببا في إسلامه عن رغبة وطواعية.

<<  <   >  >>