للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الحلم، والعفو، والصفح، وذم الغضب وعلاجه (١)

• قال عليّ بن أبي طالب : أوّلُ عِوَضِ الحليم مِنْ حِلمِه أنّ الناسَ


(١) ذكر ابن القيم أحد عشر مشهدًا للعبد فيما يصيبه من أذى الخَلْق وجنايتهم عليه منها:
أحدها: مشهد القَدَر، وأن ما جرى عليه: بمشيئة الله وقضائه وقدره، فيراه كالتأذي بالحر والبرد، والمرض والألم، وهبوب الرياح، وانقطاع الأمطار؛ فإن الكل أوجبته مشيئة الله
المشهد الثاني: مشهد الصبر. فيشهده ويشهد وجوبه، وحسن عاقبته، وجزاء أهله، وما يترتب عليه من الغِبطة والسرور، ويُخَلِّصه من ندامة الُمقابَلة والانتقام، فما انتقم أحدٌ لنفسه قط إلا أعقبه ذلك ندامة. ويعلم أنه إن لم يصبر اختيارا على هذا وهو محمود، صبر اضطرارا على أكبر منه وهو مذموم.
المشهد الثالث: مشهد العفو والصفح والحلم. فإنه متى شهد ذلك وفضله وحلاوته وعِزته: لم يَعْدل عنه، فإنه ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزا كما صح ذالك عن النبي ، وعُلم بالتجربة والوجود. وما انتقم أحدٌ لنفسه إلا ذلَّ.
المشهد الرابع: مشهد الرضا. وهو فوق مشهد العفو والصفح، وهذا لا يكون إلا للنفوس المطمئنة.
المشهد الخامس: مشهد الإحسان. وهو أرفع مما قبله، وهو أن يقابل إساءة المسيء إليه بالإحسان، فيحسن إليه كلما أساء هو إليه. ويَهُون هذا عليه عِلْمه بأنه قد ربح عليه، وأنه قد أهدى إليه حسناته ومحاها من صحيفته وأثبتها في صحيفة من أساء إليه، فينبغي لك أن تشكره وتحسن إليه بما لا نسبة له إلى ما أحسن به إليك.
ويهونه عليك أيضا: علمك بأن الجزاء من جنس العمل. فإن كان هذا عملك في إساءة المخلوق إليك عفوت عنه وأحسنت إليه، مع حاجتك وضعفك وفقرك وذُلِّك، فهكذا يفعل المحسن القادر العزيز الغني بك في إساءتك، يقابلها بما قابلت به إساءة عبده إليك، فهذا لابد منه، وشاهده في السنة من وجوه كثيرة لمن تأملها.
المشهد السادس: مشهد السلامة وبَرْد القلب. وهذا مشهد شريف جدًا لمن عرفه وذاق حلاوته، وهو أن لا يشتغل قلبُه وسِرُّه بما ناله من الأذى وطلب الثأر، وشفاء نفسه، بل يُفرغ قلبه من ذلك، ويرى أن سلامته وبَرْده وخُلُّوَّه منه أنفع له وألذُّ وأطيب وأعون على مصالحه، فإن القلب إذا اشتغل بشيء فاته ما هو أهم عنده وخير له منه فيكون بذلك مغبونا.

<<  <   >  >>