للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِجَمَاعَةٍ جَهْرًا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ حَتَّى لَوْ كَانَ سِرًّا بِأَنْ كَانَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا وَلَوْ جَعَلَ لَهُ إمَامًا وَمُؤَذِّنًا وَهُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَصَلَّى فِيهِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ صَارَ مَسْجِدًا اتِّفَاقًا لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَالْجَمَاعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَوْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ لَيْسَ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْجَمَاعَةِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ تُبْنَى لِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا بِالْجَمَاعَةِ فَلَا يَصِيرُ مَسْجِدًا قَبْلَ حُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ وَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْجِدَ إلَى مُتَوَلٍّ نَصَّبَهُ لِيَقُومَ بِمَصَالِحِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ قَدْ يَكُونُ لَهُ خَادِمٌ يَكْنُسُ وَيُغْلِقُ الْبَابَ وَنَحْوَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَزُولُ مِلْكُهُ بِقَوْلِهِ جَعَلْته مَسْجِدًا لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِمِلْكِ الْعَبْدِ فَيَصِيرُ خَالِصًا لِلَّهِ بِسُقُوطِ حَقِّ الْعَبْدِ وَصَارَ كَالْإِعْتَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ وَإِذَا صَارَ مَسْجِدًا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ وَحَرُمَ بَيْعُهُ فَلَا يُورَثُ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ لِأَنَّهُ صَارَ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: ١٨] وَلَا رُجُوعَ فِيمَا صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى كَالصَّدَقَةِ

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَمَنْ جَعَلَ مَسْجِدًا تَحْتَهُ سِرْدَابٌ أَوْ فَوْقَهُ بَيْتٌ وَجَعَلَ بَابَهُ إلَى الطَّرِيقِ وَعَزَلَهُ أَوْ اتَّخَذَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ فَلَهُ بَيْعُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ لِبَقَاءِ حَقِّ الْعَبْدِ فِيهِ وَالْمَسْجِدُ لَا يَكُونُ إلَّا خَالِصًا لِلَّهِ لِمَا تَلَوْنَا وَمَعَ بَقَاءِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي أَسْفَلِهِ أَوْ فِي أَعْلَاهُ أَوْ فِي جَوَانِبِهِ مُحِيطًا بِهِ لَا يَتَحَقَّقُ الْخُلُوصُ كُلُّهُ أَمَّا إذَا كَانَ السُّفْلُ مَسْجِدًا فَلِأَنَّ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ حَقًّا فِي السُّفْلِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْعُلُوِّ وَأَمَّا إذَا جَعَلَ الْعُلُوَّ مَسْجِدًا فَلِأَنَّ أَرْضَ الْعُلُوِّ مِلْكٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِ السُّفْلِ كَالْبِنَاءِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّ السِّرْدَابَ فِيهِ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ بَلْ هُوَ لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ كَانَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ نَقُولُ بِأَنَّهُ صَارَ مَسْجِدًا وَأَمَّا إذَا اتَّخَذَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا فَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُحِيطٌ بِجَوَانِبِهِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ الْمَنْعِ مِنْ الدُّخُولِ وَالْمَسْجِدُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِيهِ حَقُّ الْمَنْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة: ١١٤] وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفْرِزْهُ حِينَ أَبْقَى الطَّرِيقَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَخْلُصْ لِلَّهِ حَتَّى لَوْ عَزَلَ بَابَهُ إلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ صَارَ مَسْجِدًا وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْأَسْفَلُ مَسْجِدًا وَالْأَعْلَى مِلْكًا لِأَنَّ الْأَسْفَلَ أَصْلٌ وَهُوَ يَتَأَبَّدُ وَلَمْ يَجُزْ عَكْسُهُ.

وَعَنْ مُحَمَّدٍ عَكْسُهُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُعَظَّمٌ وَلَا تَعْظِيمَ إذَا كَانَ فَوْقَهُ مُسْتَعْلٍ أَوْ مَسْكَنٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَجَازَ الْوَجْهَيْنِ حِينَ قَدِمَ بَغْدَادَ وَرَأَى ضِيقَ الْأَمَاكِنِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُهُ حِينَ قَدِمَ الرَّيَّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَوْ اتَّخَذَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا صَارَ مَسْجِدًا وَإِنْ لَمْ يَعْزِلْ بَابَهُ إلَى الطَّرِيقِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِكَوْنِهِ مَسْجِدًا وَلَا مَسْجِدَ إلَّا بِطَرِيقٍ دَخَلَ فِيهِ الطَّرِيقُ ضَرُورَةً كَمَا يَدْخُلُ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِالطَّرِيقِ وَالِانْتِفَاعُ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا وَلَوْ اتَّخَذَ أَرْضَهُ مَسْجِدًا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَا بَيْعُهُ وَكَذَا لَا يُورَثُ عَنْهُ لِتَحَرُّرِهِ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْوَقْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَرْجِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْحَاكِمُ وَالْفَرْقُ مَا بَيَّنَّاهُ وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ جَعَلَ مَسْجِدًا تَحْتَهُ سِرْدَابٌ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ جَعَلَ مَسْجِدًا تَحْتَهُ سِرْدَابٌ أَوْ فَوْقَهُ بَيْتٌ وَجَعَلَ بَابَ الْمَسْجِدِ إلَى الطَّرِيقِ وَعَزَلَهُ فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ مَاتَ يُورَثُ عَنْهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَالْمَسْجِدُ لَا يَكُونُ إلَّا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى إلَخْ) وَلِأَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسْجِدِ عُرِفَ بِالشَّرِيعَةِ وَفِي الشَّرِيعَةِ لَمْ يَكُنْ الْمَسْجِدُ إلَّا وَمَا فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ لِلَّهِ أَلَا تَرَى إلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي بَنَاهُ بِالْمَدِينَةِ وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي بَنَاهُ إبْرَاهِيمُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بِمَكَّةَ وَإِلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّذِي بَنَاهُ دَاوُد النَّبِيُّ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - بِالرُّخَامِ وَالْمَرْمَرِ وَجَعَلَ عَلَيْهِ قُبَّةً مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَجَعَلَ فَوْقَ ذَلِكَ جَوْهَرًا يُضِيءُ فَرَاسِخَ تَغْزِلُ بِضَوْئِهَا النِّسَاءُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيَالِيِ فَكُلُّ مَسْجِدٍ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ لَمْ يَجُزْ أَوْرَدَ أَبُو اللَّيْثِ هُنَا سُؤَالًا وَجَوَابًا فَقَالَ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَحْتَهُ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ وَالنَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِهِ قِيلَ إذَا كَانَ تَحْتَهُ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ لِأَنَّهُ إذَا انْتَفَعَ بِهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ صَارَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْضًا.

وَأَمَّا الَّذِي اتَّخَذَ بَيْتًا لِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ لَوْ جَعَلَ تَحْتَهُ حَانُوتًا وَجَعَلَهُ وَقْفًا عَلَى الْمَسْجِدِ قِيلَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَوْ جَعَلَ فِي الِابْتِدَاءِ هَكَذَا صَارَ مَسْجِدًا وَمَا تَحْتَهُ صَارَ وَقْفًا عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الْمَسْجِدُ وَالْوَقْفُ الَّذِي تَحْتَهُ وَلَوْ أَنَّهُ بَنَى الْمَسْجِدَ أَوَّلًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ تَحْتَهُ حَانُوتًا لِلْمَسْجِدِ فَهُوَ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ إلَى حَالِهِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْفَقِيهِ وَالسِّرْدَابُ بِكَسْرِ السِّينِ كَذَا فِي دِيوَانِ الْأَدَبِ وَهُوَ بَيْتٌ تَحْتَ الْأَرْضِ لِلتَّبْرِيدِ. اهـ. مُغْرِبٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ. (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ أَجَازَ الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي فِيمَا إذَا كَانَ تَحْتَهُ سِرْدَابٌ وَفَوْقَهُ بَيْتٌ اهـ (قَوْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلُهُ حِينَ قَدِمَ الرَّيَّ) قَالَ الْكَمَالُ وَهَذَا تَعْلِيلٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ بِالضَّرُورَةِ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ مِثْلَهُ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ اهـ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ خَرِبَ مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ إلَخْ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ إذَا خَرِبَ الْمَسْجِدُ حَتَّى لَا يُصَلَّى فِيهِ فَاَلَّذِي بَنَاهُ إنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ دَارِهِ وَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ إذَا جَعَلَهُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَصَارَ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُرْكَبَ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيَصِيرُ ثَمَنُهَا لِصَاحِبِهَا أَوْ لِوَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمَسْجِدِ بَانٍ فَخَرِبَ وَبَنَى أَهْلُ الْمَسْجِدِ مَسْجِدًا آخَرَ ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى بَيْعِهِ وَاسْتَعَانُوا فِي ثَمَنِ الْمَسْجِدِ الْآخَرِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ثُمَّ نَقَلَ النَّاطِفِيُّ عَنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ إمْلَاءً

<<  <  ج: ص:  >  >>