للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْإِعْرَاضِ، أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فَلَوْ بَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً صَحَّ إنْ تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ)؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ الْقَبْضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ دُونَ التَّسْوِيَةِ لِمَا رَوَيْنَا، فَلَا يَضُرُّ الْجُزَافُ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا، أَوْ قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِهِمَا بَطَلَ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْقَبْضُ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ الْخِيَارِ، وَالْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْقَبْضِ مَا دَامَ الْخِيَارُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمِلْكِ، وَالْخِيَارُ يَمْنَعُهُ، وَبِالْأَجَلِ يَفُوتُ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ شَرْعًا إلَّا إذَا أُسْقِطَ الْخِيَارُ، أَوْ الْأَجَلُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَعُودُ صَحِيحًا لِزَوَالِ الْمُفْسِدِ قَبْلَ تَقَرُّرِهِ وَلَوْ بَاعَ الْفِضَّةَ، أَوْ الذَّهَبَ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةً، ثُمَّ عَلِمَا تَسَاوِيهِمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ وَبَعْدَهُ لَا يَصِحُّ.

وَقَالَ زُفَرُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ التَّسَاوِيَ حَقُّ الشَّرْعِ وَقَدْ وُجِدَ حَالَةَ الْعَقْدِ قُلْنَا التَّسْوِيَةُ شَرْطٌ وَاجِبٌ عَلَيْنَا فَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ بِفِعْلِنَا أَمَّا وُجُودُهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تُنْبِئُ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الِابْتِلَاءِ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنْ بَاعَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ وَاشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا فَسَدَ بَيْعُ الثَّوْبِ)؛ لِأَنَّ فِي تَجْوِيزِهِ فَوَاتَ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزُ الْعَقْدُ فِي الثَّوْبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ زُفَرَ؛ إذْ النُّقُودُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ دَيْنًا كَانَتْ أَوْ عَيْنًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ دَيْنًا عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ جَازَ السَّلَمُ حَتَّى إذَا سَلَّمَ إلَيْهِ رَبُّ السَّلَمِ قَدْرَ الدَّيْنِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ تَمَّ السَّلَمُ وَلَوْ تَعَيَّنَ لَمَا صَحَّ لِكَوْنِهِ كَالِئًا بِكَالِئٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ كَذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ لَكِنَّ الْمَانِعَ اشْتِرَاطُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى غَيْرِ الْعَاقِدِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الدَّيْنِ يَكُونُ اشْتِرَاطًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِأَنْ يُوَفِّيَهُ وَهُوَ شَرْطٌ مُفْسِدٌ كَمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ عَلَى غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ فَاشْتَرَى بِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الْمَعْنَى، أَوْ نَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ بَدَلَيْ الصَّرْفِ مَبِيعٌ، فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا بِالتَّعْيِينِ كَالْمَضْرُوبِ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ كَالْمَصُوغِ، وَالتِّبْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ.

[التَّصَرُّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ]

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَوْ بَاعَ أَمَةً مَعَ طَوْقٍ قِيمَةُ كُلٍّ أَلْفٌ بِأَلْفَيْنِ وَنَقَدَ مِنْ الثَّمَنِ أَلْفًا، فَهُوَ ثَمَنُ الطَّوْقِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِأَلْفَيْنِ أَلْفٌ نَقْدٌ وَأَلْفٌ نَسِيئَةٌ، فَالْأَلْفُ ثَمَنُ الطَّوْقِ)

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

دِرْهَمٍ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ فَأَرْسَلَ رَسُولًا يَقُولُ لَهُ بِعْتُك الدَّرَاهِمَ الَّتِي لِي عَلَيْك بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي لَك عَلَيَّ فَقَالَ قَبِلْت كَانَ بَاطِلًا، وَكَذَا لَوْ نَادَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ مِنْ بَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُفْتَرِقَانِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ قَالَ الْأَبُ اشْهَدُوا أَنِّي اشْتَرَيْت هَذَا الدِّينَارَ مِنْ ابْنِي الصَّغِيرِ بِعَشَرَةٍ وَقَامَ قَبْلَ نَقْدِهَا بَطَلَ هَذَا وَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِبَدَلِ الصَّرْفِ وَالْحَوَالَةِ بِهِ كَمَا فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ اهـ.

فَتْحٌ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ حَتَّى لَوْ نَامَا مَا نَصُّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ ثُمَّ وُجُودُ التَّقَابُضِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّرْفِ، وَلَكِنَّ وُجُودَ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ شَرْطٌ حَتَّى إنَّهُمَا لَوْ تَعَاقَدَا وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى مَشَيَا مِيلًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَمْ يُفَارِقْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَلَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ تَقَابَضَا وَافْتَرَقَا جَازَ الصَّرْفُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي بَابِ السَّلَمِ يَعْنِي أَنَّ قَبْضَ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ شَرْطٌ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِفَايَتِهِ وَالِافْتِرَاقُ الْمُعْتَبَرُ الِافْتِرَاقُ بِالْأَبْدَانِ دُونَ الْمَكَانِ حَتَّى لَوْ قَامَا فَذَهَبَا مَعًا أَوْ نَامَا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمَا أَوْ طَالَ قُعُودُهُمَا لَا يَبْطُلُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ خِيَارِ الْمُخَيَّرَةِ) يَعْنِي أَنَّ الصَّرْفَ لَا يَبْطُلُ بِذَهَابِ الْعَاقِدَيْنِ مَعًا وَخِيَارُ الْمُخَيَّرَةِ يَبْطُلُ وَإِنْ مَشَتْ مَعَ زَوْجِهَا لِأَنَّ اشْتِغَالَهَا بِالْمَشْيِ دَلِيلُ الْإِعْرَاضِ عَمَّا جُعِلَ إلَيْهَا فَيَبْطُلُ خِيَارُهَا إنْ لَمْ تُفَارِقْ الزَّوْجَ اهـ.

أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ ثُمَّ عَلِمَا تَسَاوِيهِمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ فَأَمَّا إذَا وُزِنَا فِي الْمَجْلِسِ فَوُجِدَا سَوَاءً فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى فَسَادٍ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ لِأَنَّ سَاعَاتِ الْمَجْلِسِ جُعِلَتْ كَسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَتَحْقِيقًا لِلْيُسْرِ فَكَانَ الْعِلْمُ بِالْمُمَاثَلَةِ فِي الْمَجْلِسِ كَالْعِلْمِ بِهَا فِي حَالِ الْعَقْدِ اهـ.

وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ صَحَّ مَا نَصُّهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ اهـ. كَمَالٌ.

(قَوْلُهُ: فَسَدَ بَيْعُ الثَّوْبِ) أَيْ وَثَمَنُ الصَّرْفِ عَلَى حَالِهِ يَقْبِضُهُ مِنْهُ وَيَتِمُّ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ اهـ.

غَايَةٌ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ فَسَدَ بَيْعُ الثَّوْبِ مَا نَصُّهُ وَلَا يَبْرَأُ بَائِعُهُ عَنْ بَدَلِ الصَّرْفِ اهـ.

(قَوْلُهُ: كَمَا نُقِلَ عَنْ زُفَرَ) أَيْ وَلَا يَبْرَأُ بَائِعُهُ عَنْ الصَّرْفِ عِنْدَهُ أَيْضًا اهـ.

ذَخِيرَةٌ.

(قَوْلُهُ: فَهُوَ ثَمَنُ الطَّوْقِ) قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَبَيْنَ الْفَسَادِ بِتَرْكِ الْقَبْضِ وَالْفَسَادِ بِالْأَجَلِ فَرْقٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ جَارِيَةً فِي عُنُقِهَا طَوْقُ فِضَّةٍ زِنَتُهُ مِائَةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ حَتَّى انْصَرَفَ لِلطَّوْقِ مِائَةٌ مِنْ أَلْفٍ فَيَصِيرُ صَرْفًا فِيهِ وَتِسْعُمِائَةٍ لِلْجَارِيَةِ بَيْعًا فَإِنَّهُ لَوْ فَسَدَ بِتَرْكِ الْقَبْضِ بَطَلَ فِي الطَّوْقِ وَبَيْعُ الْجَارِيَةِ بِتِسْعِمِائَةٍ صَحِيحٌ وَلَوْ فَسَدَ بِالْأَجَلِ بِأَنْ بَاعَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى أَجَلٍ فَسَدَ فِيهِمَا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا فَإِنَّهُمَا قَالَا يَفْسُدُ فِي الْجَارِيَةِ وَفَرَّقَ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ انْعَقَدَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ الْمُفْسِدُ فَيَخُصُّ مَحَلَّهُ وَهُوَ الصَّرْفُ وَفِي الثَّانِي انْعَقَدَ أَوَّلًا عَلَى الْفَاسِدِ فَشَاعَ وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ الْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ وَفِي الْكَامِلِ لَوْ أَسْقَطَ الْأَجَلَ مَنْ لَهُ الْأَجَلُ دُونَ الْآخَرِ صَحَّ فِي الْمَشْهُورِ وَلَيْسَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ بِرَدِّهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى مِثْلِهَا بِخِلَافِ التِّبْرِ وَالْحُلِيِّ وَالْأَوَانِي مِنْ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ لِتَعَيُّنِهِ فِيهِ وَلَوْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا دُونَ الِافْتِرَاقِ مَا قَبَضَ زَيْفًا أَوْ سُتُّوقًا فَحُكْمُهُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِهِ مِنْ الِاسْتِبْدَالِ وَالْبُطْلَانِ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ اهـ. (قَوْلُهُ: فَالْأَلْفُ) كَذَا هُوَ بِخَطِّ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاَلَّذِي بِأَيْدِينَا مِنْ نُسَخِ الْمَتْنِ فَالنَّقْدُ اهـ

<<  <  ج: ص:  >  >>