للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تمنعهم من رسول الله و «حصونهم» إما مبتدأ و «مانعتهم» خبر مقدم، والجملة خبر «أن» وإما فاعل لمانعتهم وهي خبر «أن» . فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي فأتى أمر الله اليهود باذلا لهم من حيث لم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة. وقرئ «فآتاهم الله» بمد الهمزة، أي فأعطاهم الله الهلاك. وقيل: الضمير للمؤمنين، أي فآتاهم نصر الله من حيث لم يرجوا وهو إخراج بني النضير من قرية يقال لها: زهرة إلى الشام وكان بين زهرة والمدينة ميلان وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي أثبت في قلوبهم الخوف من محمد وأصحابه، وكانوا قبل ذلك لا يخافون يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أي يهدمون بعض بيوتهم بأيديهم من داخل الحصون ليسدوا بالخشب والحجارة أفواه الأزقة، ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، ولينقلوا معهم بعض آلاتها مما يقبل النقل ويهدم المؤمنون بعض بيوت بني النضير من خارج توسيعا لمجال القتال، ونكاية لهم، ومنعا لتحصنهم بها. وقرأ أبو عمرو وحده «يخرجون» بفتح الخاء وتشديد الراء، وقال: الأخراب ترك الموضع خرابا، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا. يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) أي فاتعظوا بحالهم ولا تعتمدوا على شيء غير الله تعالى كما اعتمد هؤلاء على حصونهم، وعلى قوتهم وعلى المنافقين فليس للزاهد أن يعتمد على زهده فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام، وليس للعالم أن يعتمد علمه. انظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار فلا ينبغي لأحد أن يعتمد إلا على فضل الله ورحمته، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ أي ولولا أن قضى الله على بني النضير الخروج عن أوطانهم على الوجه الفظيع لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي كما فعل بإخوانهم بني قريظة من اليهود، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) وهذا استئناف غير متعلق بجواب لولا أي ولهم على كل حال سواء أجلوا أم لا عذاب النار في الآخرة، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي ذلك المذكور من العذابين بسبب أنهم خالفوا الله ورسوله في الدين، وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) أي ومن يخالف الله يعاقبه الله في الدنيا والآخرة، فإن الله شديد العقاب.

وقرئ «ومن يشاقق الله» كما في الأنفال. روي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما نزل ببني النضير وقد تحصنوا بحصونهم أمر أصحابه بقطع نخيلهم وإحراقها. قال بنو النضير: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها، فكان في أنفس المؤمنين شيء من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فسادا واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا.

وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعه، فأنزل الله تعالى قوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أي أيّ شيء قطعتم أيها المسلمون من نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها كما كانت فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي فذاك القطع والترك بإباحة الله تعالى ليعز المؤمنين، وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) أي إنما جوز الله ذلك القطع ليسر المؤمنين ويزداد غيظ الكفار اليهود ويتضاعف تلهفهم بسبب نفاذ حكم أعدائهم

<<  <  ج: ص:  >  >>