للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها

وبدأ الله بأهل الكتاب لأنهم كانوا يطعنون في نبوته صلّى الله عليه وسلّم فجنايتهم أعظم لأنهم أنكروا مع العلم به وأيضا إنه صلّى الله عليه وسلّم كان يقدم حق الله على حق نفسه فكأنه تعالى قال له: كما قدمت حقي على حقك فأنا أقدم حقك على حق نفسي فمن ترك الصلاة طول عمره لا يكفر ومن طعن في شعرة من شعراتك يكفر فأهل الكتاب طعنوا في الرسول والمشركون طعنوا في الله أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) أي الخليقة فهم شر من السراق لأنهم سرقوا من كتاب الله صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم وشر من قطاع الطريق لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق وشر من الجهال الأجلاف لأن الكبر مع العلم يكون كفر عناد فيكون أقبح إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) قرأ نافع، وابن ذكوان «البريئة» بالهمز في الموضعين، والباقون بياء مشددة جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ معدن النبيين والمقربين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي الأربعة وهي الخمر، والماء، والعسل، واللبن خالِدِينَ فِيها أَبَداً و «خالدين» حال من مقدر فعامله

محذوف أي دخلوها، ولا يجوز أن يكون حالا من «هم» في جزاؤهم لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ حال من «جزاؤهم» أو ظرف له و «أبدا» منصوب ب «خالدين» .

لطيفة: قال بعض الفقهاء: لو قال لفلان: علي كذا فهو إقرار بالدين، ولو قال: لا شيء لي على فلان، فهذا يختص بالديون، وله أن يدعي الوديعة، ولو قال: لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولو قال: لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معا إذا عرفت هذا، فقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ يفيد انه وديعة والوديعة عين، وهو أشرف من الدين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بأن يعظمهم ويمدحهم فإن الرضا عن العامل غير الرضا بعمله، وَرَضُوا عَنْهُ أي فرحوا بما جازاهم من الثواب وبما أعطاهم من أنواع الكرامات. ذلِكَ أي المذكور من الجزاء والرضوان لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) وصاحب الخشية هو العالم بشئون الله تعالى، فإن الخشية مناط لجميع الكمالات العلمية والعملية المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية.

<<  <  ج: ص:  >  >>