للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فِي وَسَطِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُطَوِّلُ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِالْمَعْلُومِ أَوْلَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيُصَلُّونَ بِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا) أَيْ يُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِهِ إلَّا فَرْضًا وَاحِدًا وَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا مِنْ النَّفْلِ مَا شَاءُوا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْوَجْهَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَيَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ فَقَطْ) أَيْ يَبْطُلُ وُضُوءُهُمْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.

وَقَالَ زُفَرُ يَبْطُلُ بِالدُّخُولِ فَقَطْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَبْطُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِزُفَرَ إنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا يُعْتَبَرُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَلَهُمَا أَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ شَرْعًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَيْهِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْأَدَاءِ حَقِيقَةً؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ أَجَازَ إشْغَالَ الْوَقْتِ كُلِّهِ بِالْأَدَاءِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِتَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ دَلِيلُ ثُبُوتِ الْحَاجَةِ وَخُرُوجَهُ دَلِيلُ زَوَالِهَا فَإِضَافَةُ الِانْتِقَاضِ إلَى دَلِيلِ زَوَالِ الْحَاجَةِ أَوْلَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى دَلِيلِ ثُبُوتِهَا.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَعَلَى هَذَا قَوْلُ زُفَرَ مُسْتَقِيمٌ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِتَخْصِيصِهِ بِالدُّخُولِ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَاجَةِ بِالْخُرُوجِ أَيْضًا وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا إذَا تَوَضَّئُوا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِهِ الظُّهْرَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَالثَّانِي إذَا تَوَضَّئُوا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُمْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تُنْتَقَضُ وَلَوْ تَوَضَّئُوا لِصَلَاةِ الْعِيدِ قِيلَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا بِهِ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا لِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَوْ تَوَضَّئُوا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ لِلْعَصْرِ يُصَلُّونَ بِهِ الْعَصْرَ فِي رِوَايَةٍ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ لِلْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ كَطَهَارَتِهِمْ لِلظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ وَقَعَتْ لِلظُّهْرِ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ الظُّهْرِ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا بِهَا صَلَاةَ الظُّهْرِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ خُرُوجِهِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَشَايِخَنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَضَافُوا انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ دُخُولِهِ لِيَسْهُلَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، وَإِلَّا فَلَا تَأْثِيرَ لِلْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ فِي الِانْتِقَاضِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ عِنْدَهُ.

وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَمَا خَرَجَ الْوَقْتُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْبِنَاءُ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَهُمَا عُرِفَ نَصًّا فِي الْحَدَثِ الطَّارِئِ لَا فِي الْحَدَثِ السَّابِقِ وَبِخُرُوجِ الْوَقْتِ يَظْهَرُ الْحَدَثُ السَّابِقُ وَهَذَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا يَرْفَعُ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْحَدَثِ وَلَا يَرْفَعُ مَا بَعْدَهُ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَافِعٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَهَذَا إذَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهِ وَقْتُ فَرْضٍ إلَّا وَذَلِكَ الْحَدَثُ يُوجَدُ فِيهِ).

وَهَذَا حَدُّ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا أَيْ وَحُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَثْبُتُ إذَا لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ وَلَكِنَّ هَذَا شَرْطُ بَقَاءِ الِاسْتِحَاضَةِ بَعْدَمَا ثَبَتَ حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ، وَأَمَّا شَرْطُ ثُبُوتِهِ ابْتِدَاءً فَأَنْ يَسْتَوْعِبَ اسْتِمْرَارَ الْعُذْرِ وَقْتَ الصَّلَاةِ كَامِلًا كَالِانْقِطَاعِ لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْوَقْتَ كُلَّهُ وَفِي الْكَافِي لِحَافِظِ الدِّينِ إنَّمَا يَصِيرُ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

( قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَيَبْطُلُ بِخُرُوجِهِ فَقَطْ) قَالَ الرَّازِيّ أَيْ يَبْطُلُ وُضُوءُهُمْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ إذْ الْوَقْتُ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ نَجَسًا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْحَدَثِ يَظْهَرُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أُضِيفَ إلَيْهِ مَجَازًا أَيْ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ حَدَثًا قِيلَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَعْذُورٍ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ شَرَعَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ مِنْ وَجْهٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَاقْتِصَارٌ مَنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَدَاءِ وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِالطَّهَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا فِي الْوَقْتِ فَعَمِلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ فَجَعَلْنَاهُ طُهُورًا فِي حَقِّ الْمَسْحِ كَمَا سَيَأْتِي وَاقْتِصَارًا فِي حَقِّ الْقَضَاءِ اهـ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَاهُنَا كَلَامًا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَائِنَا الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ تُنْتَقَضُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ الْخُرُوجِ فَقَطْ لَكِنْ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ إنَّمَا يُوجِبَانِ الطَّهَارَةَ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ الطَّهَارَةُ الْوَاقِعَةُ قَبْلَهُ فَتُعَادُ بَعْدَ دُخُولِهِ لَا؛ لِأَنَّهَا تُنْتَقَضُ بِالدُّخُولِ وَزُفَرُ إنَّمَا لَمْ يُوجِبْ الطَّهَارَةَ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِدُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ وَقْتِ الْفَجْرِ بَاقِيَةٌ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ حَتَّى لَوْ قَضَى الْفَجْرَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ قَضَاهُ مَعَ سُنَّتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَضَاهُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِلَا سُنَّتِهِ فَإِيجَابُ زُفَرَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ دُخُولِ الظُّهْرِ لَا قَبْلَهُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْفَجْرِ لَيْسَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُنْتَقَضُ بِالْخُرُوجِ عِنْدَهُ بَلْ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إلَّا بِدُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِنَّ الِانْتِقَاضَ عِنْدَهُ أَيْضًا بِالْخُرُوجِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: أُقِيم مَقَامَ الْأَدَاءِ) لِكَوْنِهِ مَحِلَّهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: مَعَ انْتِفَاءِ الْحَاجَةِ بِالْخُرُوجِ) فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَاقِضًا أَيْضًا عِنْدَهُ كَمَا يُنْتَقَضُ بِالدُّخُولِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ قَبْلَهُ.

(قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) أَيْ وَزُفَرَ اهـ.

(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ) وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي جَعَلَ خُرُوجَهُ أَوْ دُخُولَهُ نَاقِضًا لِلطَّهَارَةِ إنَّمَا هُوَ وَقْتُ الْفَرْضِ وَصَلَاةُ الْعِيدِ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ.

(قَوْلُهُ: يُصَلُّونَ بِهِ الْعَصْرَ فِي رِوَايَةٍ) فِي الْبَدَائِعِ لَمْ يَجْعَلْهُ رِوَايَتَيْنِ بَلْ قَالَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ اهـ.

(قَوْلُهُ: بَعْدَمَا خَرَجَ الْوَقْتُ) خِلَافًا لِزُفَرَ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ يَجُوزُ مُطْلَقًا أَيْ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ اهـ.

(قَوْلُهُ فِي الْحَدَثِ الطَّارِئِ) أَيْ الْعَارِضِ بَعْدَ اللُّبْسِ وَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَا السَّابِقِ عَلَيْهِمَا. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا لِمَا عُرِفَ) أَيْ عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالطَّهَارَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ ظَهَرَ بَعْدَ الْخُرُوجِ وَالطَّهَارَةُ سَابِقَةٌ عَلَيْهِ فَلَا تَرْفَعُهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>