للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لَا يُشْتَرَطُ الْإِحْصَانُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا بَيَّنَّاهُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَلَا الْحُرَّ الْأَمَةُ وَلَا الْحُرَّةَ الْعَبْدُ» وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ وَكُلُّهَا زَوَاجِرُ عَنْ الزِّنَا وَالْجِنَايَةُ عِنْدَ تُوَفِّرْ النِّعْمَةِ وَوُجُودِ الْمَانِعِ أَغْلَظُ وَأَقْبَحُ فَيُنَاطُ بِهَا نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ وَلِهَذَا هَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى نِسَاءَ النَّبِيِّ بِضِعْفِ مَا هَدَّدَ بِهِ غَيْرَهُنَّ وَعَاتَبَ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - بِزَلَّاتٍ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا غَيْرُهُمْ لِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِاعْتِبَارِهِمَا وَنَصْبُ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ مُمْتَنِعٌ وَلَوْ زَالَ الْإِحْصَانُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْجُنُونِ وَالْعُنَّةِ يَعُودُ مُحْصَنًا إذَا أَفَاقَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَعُودُ حَتَّى يَدْخُلَ بِالْمَرْأَةِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ جَلْدٍ وَرَجْمٍ) يَعْنِي فِي الْمُحْصَنِ (وَ) لَا بَيْنَ (جَلْدٍ وَنَفْيٍ) يَعْنِي فِي الْبِكْرِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُحْصَنِ وَعِنْدَ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ يُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «خُذُوا عَنِّي فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي رَجُلٍ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ جَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَلَنَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي مَاعِزٍ وَلَا فِي الْغَامِدِيَّةِ وَلَا فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي زَنَى بِهَا الْعَسِيفُ بَلْ رَجَمَهُمْ مِنْ غَيْرِ جَلْدٍ وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ حَدًّا لَمَا تَرَكَهُ وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْجَلْدِ مَعَ الرَّجْمِ لِأَنَّ الْحَدَّ شُرِعَ زَاجِرًا وَزَجْرُهُ بِالْجَلْدِ لَا يَتَأَتَّى مَعَ هَلَاكِهِ وَزَجْرُ غَيْرِهِ يَحْصُلُ بِالرَّجْمِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ الْعُقُوبَاتِ

فَإِذَا عَرِيَ عَنْ الْفَائِدَةِ فَلَا يُشْرَعُ وَلِهَذَا لَوْ تَكَرَّرَ مِنْ شَخْصٍ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ يُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي الْبَاقِي لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ زَجْرُهُ وَزَجْرُ غَيْرِهِ يَحْصُلُ بِالْأَوَّلِ وَمَا رَوَوْهُ مَعْنَاهُ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ أَوْ الرَّجْمُ لِأَنَّ الْوَاوَ تَجِيءُ بِمَعْنَى أَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: ١] أَيْ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى أَوْ ثَلَاثَ أَوْ رُبَاعَ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ إنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ أَوْ جَلْدُ مِائَةٍ إنْ لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ وَهَذَا مَعْنًى مُسْتَقِيمٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ فَإِنَّ كُلَّ ثَيِّبٍ لَا يُرْجَمُ فَيَكُونُ تَنْبِيهًا مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الْحُكْمَيْنِ فِي الثَّيِّبِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُ وَجْهَ نَسْخِهِ مِنْ قَرِيبٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

وَأَمَّا الَّذِي جَمَعَ فِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا جَلَدَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ ثُمَّ لَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ رَجَمَهُ فَإِنَّ جَابِرًا قَالَ إنَّ «رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَلَدَهُ الْحَدَّ ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِعْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ وَتَأْخِيرُهُ الرَّجْمَ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْحَدِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ لَا يَجُوزُ وَعَرَّفَ أَحَدَ الْحَدَّيْنِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْآخَرَ بِالسُّنَّةِ فَلِهَذَا قَالَ جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا لِأَنَّ الْجَمْعَ مَشْرُوعٌ فِي وَاحِدٍ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ فِي الْبِكْرِ فَمَذْهَبُنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَدًّا لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ»

«وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْعَسِيفِ عَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

وَكَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ فِي شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ وَقْتَ الْإِصَابَةِ فَهُوَ شَرْطٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ أَمَةً أَوْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ كِتَابِيَّةً وَدَخَلَ بِهَا لَا يَصِيرُ الزَّوْجُ مُحْصَنًا بِهَذَا الدُّخُولِ حَتَّى لَوْ زَنَى بَعْدَهُ لَا يُرْجَمُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ صَبِيٍّ وَدَخَلَ بِهَا لَا تَصِيرُ مُحْصَنَةً فَلَا تُرْجَمُ لَوْ زَنَتْ وَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ مَا دَخَلَ بِهَا ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَيْ يَطَأَهَا زَنَى لَا يُرْجَمُ وَكَذَا لَوْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ الَّتِي هِيَ زَوْجَةُ الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْمُسْلِمِ بَعْدَ مَا دَخَلَ لَا يُرْجَمُ لَوْ زَنَى مَا لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ وَكَذَا لَوْ بَلَغَتْ بَعْدَ مَا دَخَلَ بِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً وَهُمَا مُحْصَنَانِ فَارْتَدَّا مَعًا بَطَلَ إحْصَانُهُمَا فَإِذَا أَسْلَمَا لَا يَعُودُ إحْصَانُهُمَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ اهـ

وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَكَوْنُهُمَا عَلَى صِفَةِ الْإِحْصَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ فَعَنْ هَذَا عَرَفْت أَنَّ إحْصَانَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ شَرْطٌ لِإِحْصَانِ صَاحِبِهِ بِخِلَافِ إحْصَانِ أَحَدِ الزَّانِيَيْنِ حَيْثُ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِإِحْصَانِ الْآخَرِ حَتَّى يُحَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَّ نَفْسِهِ جَلْدًا كَانَ أَوْ رَجْمًا اهـ (فَرْعٌ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَأَنْكَرَ الْإِحْصَانَ وَهُوَ الدُّخُولُ بِحُكْمِ النِّكَاحِ وَلَهُ امْرَأَةٌ قَدْ وَلَدَتْ فِي نِكَاحِهِ يُرْجَمُ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ بِثَبَاتِ النَّسَبِ مِنْهُ حُكْمٌ بِالدُّخُولِ وَلِهَذَا لَوْ طَلَّقَهَا كَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ اهـ وَقَالَ التُّمُرْتَاشِيُّ فَإِنْ أَقَرَّا بِالدُّخُولِ ثَبَتَ إحْصَانُهُمَا وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لِأَنَّ حُكْمَ إقْرَارِهِ يَلْزَمُهُ وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ وَهُمَا يُنْكِرَانِ الدُّخُولَ فَهُمَا مُحْصَنَانِ لِأَنَّ الْوَلَدَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ يُثْبَتُ الْإِحْصَانُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَثْبُتُ كَمَا لَا يَثْبُتُ الزِّنَا وَلَنَا أَنَّ الْإِحْصَانَ شَرْطٌ وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الْعِلَّةِ وَهُوَ الزِّنَا لَا إلَى الشَّرْطِ وَلَوْ رَجَعُوا لَا يَضْمَنُونَ وَقَالَا يَضْمَنُونَ نِصْفَ الدِّيَةِ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَامَتْ بِهِمْ وَبِشُهُودِ الزِّنَا وَيَسْتَفْسِرُ الْقَاضِي شُهُودَ الْإِحْصَانِ مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ

فَإِنْ ذَكَرَا الشَّرَائِطَ وَقَالَا دَخَلَ بِهَا كَفَى ذَلِكَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ قَالَ الدُّخُولُ قَدْ يَكُونُ لِلزِّنَا وَقَدْ يَكُونُ لِلْوَطْءِ فَلَا يُقْبَلُ لِلِاحْتِمَالِ وَلَهُمَا أَنَّ الدُّخُولَ بِهَا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْوَطْءِ أَمَّا فِي غَيْرِهِ فَيُقَالُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَفِي جَامِعِ الرَّازِيّ لَا يُشْتَرَطُ قِيَامُ النِّكَاحِ لِبَقَاءِ الْإِحْصَانِ. اهـ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ) هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ. اهـ.

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ جَلْدٍ وَرَجْمٍ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَذَهَبَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ يُجْمَعُ. اهـ. فَتْحٌ

<<  <  ج: ص:  >  >>