للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اشْتَرَطَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُوقَفَ فِي مَكَان لَوْ كَانَ بَصِيرًا لَرَآهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّشَبُّهَ يَقُومُ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ كَتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ أُقِيمَ مَقَامَ الْقِرَاءَةِ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ فِي الصَّلَاةِ وَإِجْرَاءِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ، وَقَالَ الْحَسَنُ يُوَكِّلُ وَكِيلًا بِقَبْضِهِ لَهُ وَهُوَ يَرَاهُ وَهُوَ أَشْبَهُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْوَكِيلِ بِهِ كَرُؤْيَةِ الْمُوَكِّلِ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخٍ يُشْتَرَطُ مَسُّ الْحِيطَانِ وَالْأَشْجَارِ مَعَ الْوَصْفِ، وَإِنْ أَبْصَرَ بَعْدَ الْوَصْفِ وَبَعْدَمَا وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ بِهِ وَانْبَرَمَ فَلَا يُنْتَقَضُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُمَا وَلِأَنَّ خِيَارَهُ قَدْ سَقَطَ بِهِ فَلَا يَعُودُ، وَلَوْ اشْتَرَى الْبَصِيرُ ثُمَّ عَمِيَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ انْتَقَلَ إلَى الْوَصْفِ لِوُجُودِ الْعَجْزِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ.

قَالَ (وَمَنْ رَأَى أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ فَاشْتَرَاهُمَا ثُمَّ رَأَى الْآخَرَ لَهُ رَدُّهُمَا)؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ أَحَدِهِمَا لَا تُغْنِي عَنْ رُؤْيَةِ الْآخَرِ لِلتَّفَاوُتِ فَبَقِيَ خِيَارُهُ فِيمَا لَمْ يَرَهُ فَيَجُوزُ رَدُّهُمَا لِمَا رَوَيْنَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ» فَيَرُدَّهُمَا جَمِيعًا ضَرُورَةً وَلَا يُقَالُ خِيَارُهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ فِيمَا لَمْ يَرَهُ وَفِي مَنْعِ الْفَسْخِ فِيهِ وَحْدَهُ إبْطَالٌ لَهُ فَكَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: نَحْنُ لَا نَمْنَعُ خِيَارَ الْفَسْخِ فِيهِ، وَإِنَّمَا نَقُولُ إذَا اخْتَارَ الْفَسْخَ فُسِخَ فِيهِ وَفِي الْآخَرِ احْتِرَازًا عَنْ التَّفْرِيقِ فَكَانَ فِيهِ عَمَلًا بِمُوجِبِهِ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَرَهُ يَرُدُّهُ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَاَلَّذِي رَآهُ بِالثَّانِي لِمَا أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ مَعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ وَهَذَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّدِّ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَاءٍ وَلَا يَكُونُ فَسْخًا لِخَلَلٍ فِي الرِّضَا بِالْعَقْدِ وَهُوَ الصَّفْقَةُ كَمَا لَا تَتِمُّ بِالْإِيجَابِ وَحْدَهُ لِعَدَمِ رِضَا الْآخَرِ بِالصَّفْقَةِ، وَكَذَا لَا تَتِمُّ مَعَ خِيَارِ الْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ تَامٍّ قَبْلَ الْقَبْضِ إذْ لَا يُفِيدُ مِلْكَ التَّصَرُّفِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْقَبْضِ كَمَا لَا يُفَرِّقُ فِي الْقَبُولِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

وُقُوفُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ عِلْمًا. اهـ. فَتْحٌ.

(قَوْلُهُ: وَإِجْرَاءُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ الْمُحْرِمِ) أَيْ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَيْهِ. اهـ. فَتْحٌ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَإِجْرَاءُ الْمُوسَى إلَخْ مَا نَصُّهُ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الْوَصْفِ فَإِنَّ الْقَائِمَ مَقَامَ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَتِهِ وَقَدْ ثَبَتَ شَرْعًا اعْتِبَارُهُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي السَّلَمِ وَوُجُوبُ إجْرَاءِ الْمُوسَى مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَكَذَا التَّحْرِيكُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْأُمِّيِّ. اهـ. فَتْحٌ.

(قَوْلُهُ: وَلَوْ اشْتَرَى الْبَصِيرَ ثُمَّ عَمِيَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ انْتَقَلَ إلَى الْوَصْفِ) أَيْ كَأَنَّهُ كَانَ أَعْمَى عِنْدَ الْعَقْدِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.

(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ كَيْ لَا يَكُونَ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ مَعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضَاءٍ وَيَكُونُ فَسْخًا مِنْ الْأَصْلِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الرِّضَا قَبْلَهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِصِفَاتِ الْمَبِيعِ وَلِذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا لَا يُرَدُّ الْبَاقِي وَهُنَا وَفِي خِيَارِ الشَّرْطِ يُرَدُّ الْآخَرُ إذَا رُدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ رَدَّ أَحَدِهِمَا فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ يُوجِبُ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَتِمُّ مَعَهُمَا وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ لَوْ رُدَّ كَانَ بَعْدَ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَتِمُّ فِيمَا كَانَ مِلْكُ الْبَائِعِ ظَاهِرًا فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْبَاقِي عَيْبُ الشَّرِكَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا وَاحِدًا فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ أَيْضًا كَمَا فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْأَعْيَانِ الْمُجْتَمِعَةِ عَيْبٌ وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الْعَيْبِ فِي فَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ. اهـ. فَتْحٌ.

قَالَ الْأَتْقَانِيُّ: ثُمَّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ مَا لَمْ يَرَهُ إذَا رَآهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ بَلْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا إنْ شَاءَ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَهَذَا لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ يَمْنَعَانِ تَمَامَ الصَّفْقَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ مَقْبُوضًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ، وَلِهَذَا يَرُدُّ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا بَعْدَ الْقَبْضِ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ بَلْ تَتِمُّ الصَّفْقَةُ بِالْقَبْضِ فَلَا يَلْزَمُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ بِرَدِّ أَحَدِهِمَا فَلَوْ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتِمَّ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمَعْنَى فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لُزُومُ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ تَرْوِيجُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ بِجَوْدَةِ أَحَدِهِمَا وَرَدَاءَةِ الْآخَرِ وَفِي مَنْعِ الْمُشْتَرِي عَنْ الرَّدِّ أَيْضًا ضَرَرٌ إلَّا أَنَّ قَبْلَ الْقَبْضِ ضَرَرُ الْبَيْعِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مَالِيٌّ وَضَرَرُ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِمَالِيٍّ بَلْ هُوَ بُطْلَانُ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ مَتَى أَلْزَمْنَاهُ رَدَّ كِلَيْهِمَا وَبَعْدَ الْقَبْضِ ضَرَرُ الْمُشْتَرِي أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ بِرَدِّ الْكُلِّ يَبْطُلُ حَقُّهُ عَنْ الْيَدِ وَالرَّقَبَةِ.

وَضَرَرُ الْبَيْعِ مَوْهُومٌ فَرُبَّمَا يُمْكِنُهُ بَيْعُ الْمَعِيبِ بِثَمَنٍ جَيِّدٍ فَيُدْفَعُ أَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا ثُمَّ بَعْدَ الْقَبْضِ إذَا وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا لَا يَكُونُ لَهُ رَدُّهُمَا إلَّا بِرِضَا الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرَّدِّ وُجِدَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَفِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ إذَا قُبِضَ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ جَمِيعًا أَوْ يَرُدَّهُ جَمِيعًا، كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ ثَابِتَةٌ لِلْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِاعْتِبَارِ الْجَمِيعِ فَإِنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْحَبَّةِ وَأَمْثَالِهَا فَصَارَ الْكُلُّ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ حُكْمًا فِي حَقِّ الرَّدِّ، وَلِهَذَا جَعَلَ رُؤْيَةَ الْبَعْضِ رُؤْيَةَ الْبَاقِي كَمَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَفِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ قَالَ فِي الشَّامِلِ فِي قِسْمِ الْمَبْسُوطِ اسْتَحَقَّ أَحَدَ الْمُخْتَلِفَيْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا خِيَارَ لَهُ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الْآخَرِ لَا حَقِيقَةً وَلَا اعْتِبَارًا وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهُ لَهُ الْخِيَارُ لِوُجُودِ النُّقْصَانِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ إلَّا بِالتَّهَايُؤِ وَإِنْ كَانَ قَبَضَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يَقْبِضْ الْآخَرَ ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا لَهُ الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ وَلَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمَكِيلِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يُخَيَّرُ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِيهِ وَلَوْ اسْتَحَقَّ قَبْلَ الْقَبْضِ يُخَيَّرُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ كَذَا فِي الشَّامِلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي رَآهُ بِالثَّانِي) أَيْ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي وَهُوَ «نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ» اهـ

<<  <  ج: ص:  >  >>