للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حسن الظن بالمسلمين ووجوب التثبت في الأخبار]

من جملة ما أحبه لنفسي ألا أنظر إلى الناس دائماً بمنظار أسود قاس، وكذلك لا ينبغي لي أن أنظر إلى الناس دائماً بمنظار قاتم، فالتهمة تحتاج إلى دليل وتحتاج إلى بينة، وبعض المسلمين يتهمون الآخرين بدون دليل وبدون بينة، وإنما بظنون وأوهام.

كان يقال للرجل: أرأيت الشمس؟ فيقول: نعم، فيقال: على مثلها فاشهد، أي: إياك أن تشهد شهادة تقوم على ظن أو تحكم حكماً يقوم على ظن.

وعرض المسلم مصون، ولا ينبغي للمسلم أن يقع في عرض أخيه بأقل أمر، وإنما ينبغي أن يصون عرضه، فلا يهمزه ولا يلمزه ولا يغتابه، ولا يطعن فيه بأمر قد يكون اجتهد فيه.

وكثير من المسلمين لا يكاد يرى في فلان من المسلمين عيباً حتى يتهمه بأشنع الصفات، وهو رجل صالح، وقارئ للقرآن، وعارف بالله سبحانه وتعالى، وليس معنى ذلك ألا نبصره بخطئه، وألا ننصحه فيما بيننا وبينه، فذلك من حقوق المسلم على المسلم، ولكن الكلام في عرضه في المجالس والمحافل، والتحدث عنه في كل مكان خطر ينبغي للمسلم أن يتأنى فيه.

وينبغي للمسلم أن يتقي ربه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الربا بضع وسبعون شعبة، أهونها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) فأشد حرمة من الربا عرض الرجل المسلم، فإذا طعن المسلم في عرض أخيه، فذلك عند الله ذنب عظيم.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من ليس له دينار ولا درهم، قال: ولكن المفلس من يأتي بحسنات أمثال الجبال، فيأتي وقد ضرب هذا، وقد شتم هذا، وقد وقع في عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، ويأخذ هذا من حسناته ويأخذ هذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، ثم ألقي في النار)، فهذا رجل أفلس، ثم زيادة على الإفلاس تأتي السيئات فتوضع فوق ظهره.

ويصف الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين بأنهم: (كالجسد الواحد)، وتصفهم الآية الأخيرة في سورة الفتح: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:٢٩]، فبين المسلمين مودة وتراحم وتناصح، ومع الكفار عداء، فلا يتحول هذا الحال إلى تقاطع وتدابر فيما بين المسلمين، فالمسلمون يحبون بمقدار ما فيهم من خير، والأعداء يكرهون لذواتهم، ومع ذلك نحب لهم الخير، ولكن هم في ذواتهم يكرهون؛ لأن الله يكره ويبغض الكفار، ونحن نحب ما يحب الله ونبغض ما يبغض الله، فلا نحب يهودياً ولا نصرانياً ولا مشركاً ولا ملحداً، ولو كان صديقاً أو أخاً أو أماً أو أباً: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:٢٢].

ولا يمكن أن يجتمع في قلب امرئ حب الله وحب أعداء الله، فالله يبغض كل مشرك، ويبغض كل كافر لم يقم على التوحيد والإيمان والاستقامة والطاعة لله سبحانه وتعالى، وإن كنا نحب لهم أن يسلموا ونحب لهم أن يؤمنوا وأن يهتدوا، فنحن نحب لهم الخير؛ ولذلك ندعوهم إليه.

أما المؤمنون فنحبهم وحبنا لهم يتفاوت، فمنهم إنسان ضعيف في إيمانه، وإنسان قوي في إيمانه، فينبغي أن يكون الحب بمقدار هذا الخير الذي فيهم، وإن كان فيهم جانب شر فنكره هذا الجانب.

وتجد بعض المسلمين اليوم لا يكاد يرى عاصياً من المسلمين إلا وقع فيه، وقد يصنفه مع الكفار، أو لا يرى أحداً من العاملين للإسلام وقع في خطأ في عمله إلا ويجعله عدواً للمسلمين، عميلاً لأمريكا أو عميلاً لروسيا! فلا يجوز أن تكون الأمور بهذا الشكل، ولا أن تقوم الأمور بهذا الشكل، فقد كان هناك أخطاء وقع فيها الصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، فكانوا يقعون في أخطاء ليست كبيرة، ولا يخرجهم هذا من الصف الإسلامي، ولا يخرجهم من مجتمع المسلمين.