للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْبَيْتِ]

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ

لَا يَكْفِي فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْبَيْتِ، مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ لِلدَّلِيلِ السَّابِقِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ:

أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} أَخْبَرَ بِذَهَابِ الرِّجْسِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ " بِإِنَّمَا "، وَهِيَ لِلْحَصْرِ فِيهِمْ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ.

وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَدَارَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْكِسَاءَ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَقَالَ: " «هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي» (١) " وَالْخَطَأُ (٢) . وَالضَّلَالُ مِنَ الرِّجْسِ فَكَانَ مُنْتَفِيًا عَنْهُمْ.


(١) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهَ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ يَا أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَيُطَهِّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ الَّذِي يَكُونُ فِي أَهْلِ مَعَاصِي اللَّهِ تَطْهِيرًا، ثُمَّ ذَكَرَ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَفِي الْكِسَاءِ أَوِ الْعَبَاءِ أَوِ الْمِرْطِ الَّذِي غَطَّى بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، أَوْ أَدَارَهُ عَلَيْهِمْ أَوْ أَدْخَلَهُمْ فِيهِ، وَلَكِنَّ كُلَّ مِنْهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ مَطْعَنٍ أَوْ أَكْثَرَ.
فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِيهَا مِنْدَلٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَمِنْدَلٌ هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْعَنْزِيُّ، لَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ مُتَشَيِّعٌ، وَالْأَعْمَشُ مُدَلِّسٌ وَقَدْ عَنْعَنَ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ شِيعِيٌّ كَثِيرُ الْخَطَأِ مُدَلِّسٌ، وَقَدْ عَنْعَنَ.
وَالثَّانِيَةُ: مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ فِيهَا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ الْمَكِّيُّ، ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ.
وَالثَّالِثَةُ: مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَفِيهَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَهُوَ شِيعِيٌّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لِاخْتِلَاطِهِ وَسُوءِ حِفْظِهِ. وَالرَّابِعَةُ: مِنْ طَرِيقِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَفِيهَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ: كَثِيرُ الْإِرْسَالِ وَالْأَوْهَامِ. وَأُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَفِيهَا شَهْرٌ، وَفُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ الْكُوفِيُّ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَفُضَيْلٌ كَانَ مَعْرُوفًا بِالتَّشَيُّعِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَرْوِي عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ الْمَوْضُوعَاتِ، وَأُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَفِيهَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَرْبِيٍّ أَبِي عُبَيْدٍ الْبَصْرِيِّ، وَمُصْعَبٍ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَسَعِيدٌ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ: عِنْدَهُ عَجَائِبُ. وَضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَأُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَفِيهَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا، وَأُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَفِيهَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ النَّسَائِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَأُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَفِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ، وَهُوَ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ، وَأُخْرَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَفِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ التَّمِيمِيُّ، وَهُوَ رَافِضِيٌّ يُخْطِئُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَقَدْ عَنْعَنَ. الرِّوَايَةُ الْخَامِسَةُ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الْأَعْمَى، وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي الْحَمْرَاءِ، وَأَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ كَذَّبَهُ ابْنُ مَعِينٍ. السَّادِسَةُ: مِنْ طَرِيقِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، وَفِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو - هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ - وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ يُدَلِّسُ تَدْلِيسَ التَّسَوِّيةِ وَأَحَادِيثُهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ مُنْكَرَةٌ، هَذَا إِلَى نَحْوِهِ مِنَ الْآثَارِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى مَنْ رَوَاهَا أَنَّهُ رَافِضِيٌّ أَوْ شِيعِيٌّ مُتَّهَمٌ أَوْ ضَعِيفٌ. وَمَنْ أَرَادَ اسْتِقْصَاءَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَنَقْدَهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَى دَوَاوِينِ السُّنَّةِ وَكُتُبِ الرِّجَالِ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ فَغَايَتُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَأَنَّ الْآيَةَ تَشْمَلُهُمْ لَا أَنَّهَا نَازِلَةٌ فِيهِمْ، أَوْ خَاصَّةٌ بِهِمْ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْآيَاتِ سَابِقِهَا وَلَاحِقِهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(٢) الْخَطَأُ عَنِ اجْتِهَادٍ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ بِرِجْسٍ، بَلْ يُؤْجَرُ صَاحِبُهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَيُعْذَرُ فِي خَطَئِهِ

<<  <  ج: ص:  >  >>