للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْخَاصَّ مَعَ الْعُمُومَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّأَسِّي أَخَصُّ مِنَ اللَّفْظِ الْعَامِّ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْعَامِّ، وَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى بِالْعَمَلِ.

قُلْنَا: أَمَّا الْفِعْلُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَهُ دَلَالَةً عَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِالنَّبِيِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلِ الْمُوجِبُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْعَامِّ الْآخَرِ فِي عُمُومِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ خَاصًّا أَوْ عَامًّا.

وَذَلِكَ الْمُوجِبُ لِلتَّأَسِّي غَيْرُ مُتَأَخِّرٍ عَنِ الْعَامِّ، بَلْ مُحْتَمَلٌ لِلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ عُلِمَ التَّارِيخُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا. (١)

كَيْفَ وَإِنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ التَّأَسِّي مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ الْفِعْلِ، وَعَلَى الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى التَّأَسِّي، وَلَا كَذَلِكَ لِلْعَامِّ الْآخَرِ، وَمَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ يَكُونُ أَبْعَدَ مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ؟ (٢)

[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ لِمَا يَفْعَلُهُ الْوَاحِدُ مِنْ أُمَّتِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُخَالِفًا لِلْعُمُومِ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْعَامِّ]

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ

تَقْرِيرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا يَفْعَلُهُ الْوَاحِدُ مِنْ أُمَّتِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُخَالِفًا لِلْعُمُومِ، وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَعَدَمُ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ عَنْهُ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْعَامِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِطَائِفَةٍ شَاذَّةٍ.

وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ تَقْرِيرَهُ لَهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَهُ وَإِلَّا كَانَ فِعْلُهُ مُنْكَرًا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَحَالَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّكُوتُ عَنْهُ وَعَدَمُ


(١) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ جُزْئِيَّاتِ النُّصُوصِ وَالْأَفْعَالِ إِنَّمَا هُوَ تَارِيخُ الْمُتَعَارِضِينَ، لَا تَارِيخُ الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا وُجُوبُ قَبُولِ الشَّرِيعَةِ قَوْلًا وَفِعْلًا، فَإِنَّهَا لَا تَتَعَارَضُ وَلَا يَدْخُلُهَا نَسْخٌ.
(٢) كُلٌّ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مُتَوَقِّفُ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ قَبُولَ الشَّرِيعَةِ قَوْلًا وَفِعْلًا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وَقَوْلِهِ: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، وَقَوْلِهِ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، وَكَكَوْنِهِ رَسُولًا مُشَرِّعًا لِلْأُمَّةِ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>