للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَكَذَا كُلُّ سَفَرٍ فِيهِ خَطَرٌ لِأَنَّ الْإِشْفَاقَ عَلَيْهِ يَضُرُّهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَطَرٌ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا إذَا لَمْ يُضَيِّعْهُمَا وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِثْلُهُمَا عِنْدَ عَدَمِهِمَا وَكَذَا الْمَدِينُ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الدَّائِنِ إلَّا فِي النَّفِيرِ الْعَامِّ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة: ٤١] أَيْ اُخْرُجُوا إلَى الْجِهَادِ شَبَابًا وَشُيُوخًا أَوْ رُكْبَانًا وَمُشَاةً أَوْ فُقَرَاءَ وَأَغْنِيَاءَ وَقَدْ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ خِفَافًا شَبَابًا أَغْنِيَاءً وَثِقَالًا شُيُوخًا فُقَرَاءَ وَهَذَا أَبْلَغُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْجِهَادُ وَاجِبٌ إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي سَعَةٍ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهِمْ فَقَوْلُهُ فِي سَعَةٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقِتَالِ لَا تَجِبُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بَلْ الِاسْتِعْدَادُ لَهُ كَافٍ وَقَوْلُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَيْهِمْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْقِتَالِ فَرْضٌ عَلَى الْكُلِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمْ وَهُوَ النَّفِيرُ الْعَامُّ لِأَنَّ الْمَقْصُود حِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِمْ مُبَاشَرَتُهُ وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ إذَا جَاءَ النَّفِيرُ إنَّمَا يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ فَأَمَّا مَنْ وَرَاءَهُمْ بِبُعْدٍ مِنْ الْعَدُوِّ فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ بِقُرْبِ الْعَدُوِّ عَاجِزِينَ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ أَوْ قَادِرِينَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ لِكَسَلٍ بِهِمْ أَوْ تَهَاوُنٍ اُفْتُرِضَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ ثُمَّ مَنْ يَلِيهِمْ كَذَلِكَ حَتَّى يُفْتَرَضَ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ شَرْقًا وَغَرْبًا وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَتَجْهِيزُهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

(وَكُرِهَ الْجُعْلُ إنْ وُجِدَ فَيْءٌ) وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَضْرِبَ الْإِمَامُ الْجُعْلَ عَلَى النَّاسِ لِلَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَجْرَ عَلَى الطَّاعَةِ فَحَقِيقَتُهُ حَرَامٌ فَيُكْرَهُ مَا أَشْبَهَهُ وَلِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ مُعَدٌّ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مِنْ جُمْلَتِهِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَإِلَّا لَا) أَيْ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْءٌ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْجِهَادِ مَاسَةٌ وَفِيهِ تَحَمُّلُ الضَّرَرِ الْأَدْنَى لِدَفْعِ الْأَعْلَى وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُغَزِّي الْعَزَبَ عَنْ ذِي الْحَلِيلَةِ وَيُعْطِي الشَّاخِصَ فَرَسَ الْقَاعِدِ وَقِيلَ يُكْرَهُ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَجِهَادٌ مِنْ الْبَعْضِ بِالْمَالِ وَمِنْ الْبَعْضِ بِالنَّفْسِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدِرُ بِأَحَدِهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: ٤١] وَقَوْلُهُ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: ١١١] وَقَالَ تَعَالَى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: ٢] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَأَطْلَقَ الْإِبَاحَةَ فِي الْيَسِيرِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ يَغْزُو بِأَجْرٍ كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا لِنَفْسِهَا وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ الْأَجْرَ وَكَانَتْ تَأْخُذُ مِنْ فِرْعَوْنَ دِينَارَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ» قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

(فَإِنْ حَاصَرْنَاهُمْ نَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

الْجِهَادِ أَمَّا إذَا كَانَ غَيْرُهُ كَالتِّجَارَةِ وَالْحَجِّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَيْنِ السَّفَرَيْنِ إبْطَالُ حَقِّهِمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَوْفُ هَلَاكِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّفَرُ مِثْلَ السَّفَرِ فِي الْبَحْرِ لَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ثُمَّ إنَّمَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِلتِّجَارَةِ إذَا كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ عَنْ خِدْمَتِهِ أَمَّا إذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ فَلَا اهـ.

(قَوْلُهُ {انْفِرُوا} [النساء: ٧١] يُقَالُ نَفَرَ إلَى الْغَزْوِ نَفْرًا وَنَفِيرًا أَيْ خَرَجَ فَإِنْ قُلْت قَوْله تَعَالَى {انْفِرُوا} [النساء: ٧١] عَامٌّ وَلَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ بِالنَّفِيرِ الْعَامِّ فَكَيْفَ خَصَّ بِالتَّنْفِيرِ الْعَامِّ قُلْت لَوْ لَمْ يَتَخَصَّصَ بِالتَّنْفِيرِ الْعَامِّ لَوَقَعَ النَّاسُ فِي حَرَجٍ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَخْرُجُ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّنْفِيرَ خِفَافًا وَثِقَالًا فِيمَا إذَا كَانَ التَّنْفِيرُ عَامًّا بِأَنْ لَا يَنْدَفِعَ شَرُّ الْأَعْدَاءِ بِالْبَعْضِ فَحِينَئِذٍ يُفْتَرَضُ عَلَى الْكُلِّ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ قَهْرُ الْكُفَّارِ وَدَفْعُ شَرِّهِمْ يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: ١٢٢] قَالَ الزَّجَّاجُ فِي تَفْسِيرِهِ يُرْوَى أَنَّ «ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ أَعَلَيَّ أَنْ أَنْفِرَ فَقَالَ لَا» (قَوْلُهُ أَوْ فُقَرَاءَ وَأَغْنِيَاءَ) أَيْ أَوْ مَهَازِيلَ وَسِمَانًا أَوْ صِحَاحًا وَمَرْضَى. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ فَأَمَّا مَنْ وَرَاءَهُمْ بِبَعْدٍ مِنْ الْعَدُوِّ) أَيْ فَفِي حَقِّهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمْ. اهـ. دِرَايَةٌ (قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ) أَيْ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ وَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ بَعُدَ عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ يُضَيِّعُونَهُ أَوْ عَاجِزُونَ عَنْ إقَامَةِ أَسْبَابِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَكُرِهَ الْجُعَلُ) الْجُعْلُ مَا جُعِلَ مِنْ شَيْءٍ لِلْإِنْسَانِ عَلَى شَيْءٍ يَفْعَلُهُ وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَضْرِبُهُ الْإِمَامُ لِلْغُزَاةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّقَوِّي لِلْخُرُوجِ إلَى الْحَرْبِ اهـ أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ لِدَفْعِ الْأَعْلَى) أَيْ الضَّرَرِ الْأَعْلَى شَرُّ الْكَفَرَةِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ يُغْزِي) يُقَالُ أَغْزَى الْأَمِيرُ الْجَيْشَ إذَا بَعَثَهُ إلَى الْعَدُوِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ الْعَزَبِ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ الْعَزَبِ بِالتَّحْرِيكِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ وَلَا يُقَالُ أَعْزَبُ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ وَفِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ الْأَيِّمُ مِنْ النِّسَاءِ مِثْلُ الْأَعْزَبِ مِنْ الرِّجَالِ وَيُقَالُ امْرَأَةٌ عَزَبٌ أَيْضًا أَنْشَدَ الْجَرْمِيِّ

يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا عَلَى عَزَبٍ

انْتَهَى وَفِي الْمِصْبَاحِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَلَا يُقَالُ رَجُلٌ أَعْزَبُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ وَقِيَاسُ قَوْلِ الْأَزْهَرِيِّ أَنْ يُقَالَ امْرَأَةٌ عَزْبَاءُ مِثْلُ أَحْمَرَ وَحَمْرَاءُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيُعْطِي الشَّاخِصَ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالشَّاخِصُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ شَخَصَ مِنْ مَكَان إذَا سَارَ فِي ارْتِفَاعٍ فَإِذَا سَارَ فِي حُدُورٍ فَهُوَ هَابِطٌ كَذَا قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَشَخَصَ الرَّجُلُ بِبَصَرِهِ إذَا أَحَدَّ النَّظَرَ رَافِعًا طَرَفَهُ إلَى السَّمَاءِ وَلَا يَكُونُ الشَّاخِصُ إلَّا كَذَلِكَ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ. اهـ.

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فَإِنْ حَاصَرْنَاهُمْ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ بَيَانِ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ عَلَى تَقْدِيرِ النَّفِيرِ الْعَامِّ وَعَلَى مَنْ يَجِبُ وَعَلَى مَنْ لَا يَجِبُ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ. اهـ. (قَوْلُهُ نَدْعُوهُمْ إلَخْ) أَمَّا الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى

<<  <  ج: ص:  >  >>