للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أجاب أولاً، وتكرر ذلك من الخادم فنهض الشيخ للطواف وأنا معه وهو يقول:

صوح النبت فاسقه ... قطرة من سحائبك

وأغثنا فإننا ... في ترجي مواهبك

وما زال يكررها في الطواف، واذ بشخص هندي أقبل على الشخص، وقبل يده ودفع له من جيبه صرة من الدنانير، وقال: يا سيدي هذه هدية أرسلها لك معي ملك الهند، فسجد الشيخ شكراً لله تعالى، وانقلب إلى أهله مسروراً، وكان سيدي محمد البكري رضي الله تعالى عنه حسن العقيدة في الصالحين، من المجاذيب والسالكين، معترفاً بفضل ذي الفضل، شديد التأدب مع الحضرة المصطفوية، معظماً لذريته الأشراف لا يدخل عليه شريف إلا، ونهض له قائماً حتى سافر معه جمال شريف، وكان كلما دخل عليه يقوم له، واجتمع به الشيخ العارف بالله تعالى أبومسلم محمد بن محمد الصمادي شيخ الطائفة الصالحية بدمشق في بيض المقدس، فاعتقد كل منهما الآخر ولما دخل الشيخ محمد الصمادي إلى وطاقه مودعاً له أمر سيدي محمد البكري بتقديم فرس الصمادي إليه على بساطه، وأمسك له الركاب بنفسه وحدثني بعض أصحابنا قال: حملت مكتوباً من الشيخ محمد الصمادي إلى الشيخ البكري فلما دخلت على البكري سلمت عليه من قبل الشيخ الصمادي، فلما ذكرت اسمه له قام على حيله، ورد سلامه، ثم قعد فلما أعطيته المكتوب قبل عنوانه، ووضعه على عينيه، ثم فتحه بتعظيم قلت: ومن الاتفاقات العجيبة أنهما ماتا في سنة واحدة واجتمع به صاحبنا العارف بالله تعالى الشيخ محمد اليتيم العاتكي، واستمد منه، وحدثنا عن كراماته ومنها تسخير الطاغية سليمان باشا ابن قباد، وكان نائب القدس إذ ذاك، وكان عسوفاً له بحيث أنه كان يخدمه ويمشي بين يديه وهكذا كان اعتقاد أركان الدولة بمصر فيه، وأشراف مكة، وأعيانها، وبالجملة فإن ترجمته تحتمل مؤلفاً مستقلاً، وبلغني أن رجلاً ذكر سيدي محمد البكري مرة فقال: لا أدري كيف أمر الشيخ في سعة دنياه وتبسطه فيها إلى حد الإسراف في المطعم، والملبس؟ فمرعليه الشيخ، فلما قبل يده قال له: يا بني الدنيا بأيدينا، وليست في قلوبنا. وممن مدح الأستاذ بشعر الفاضل الأديب محمد بن الحسين الحارثي الشامي الأصل الخراساني المولد حج، ورجع إلى مصر، ثم زار القدس، ثم دخل دمشق، وأسرع الرحلة منها إلى العراق وكان في الآن مقيماً بقزوين عند ملك العجم شاه عباس، ولا أدري أهو حي الآن أو مات فقال:

يا مصر سقياً لك من جنة ... قطوفها يانعة ودانيه

ترابها كالتبر في لطفه ... وماؤها كالفضة الصافية

قد أخجل المسك نسيم لها ... وزهرها قد أرخص الغاليه

<<  <  ج: ص:  >  >>