للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا شك أن هذا خلاف ظاهر الأدلة الواردة في أحاديث الشفاعة، وذلك من وجوه:

١ - عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا ". (١). فهذا يدخل فيه دخولاً أولياً بلا شك أمسُّ الناس لشفاعته يوم القيامة، وهو أصحاب الكبائر.

٢ - أن حمل المخالف لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: «شَفاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». (٢) على الذين تابوا!! فهذا بلا شك من تحريف الكلام عن مواضعه؛ فلو أن أصحاب الكبائر قد ماتوا على توبة لما قيل في حقهم أهل الكبائر، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكفاهم فضل الله -تعالى- بقبول توبتهم عن حاجتهم لشفاعة الشافعين.

٣ - قد ثبت في نصوص أحاديث الشفاعة وقوعها لأناس من أهل الكبائر دخلوا النار بالفعل، ثم أدركتهم شفاعة الشافعين فخرجوا منها ودخلوا الجنة، فلو كانوا تائبين لما دخلوها أصلاً؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

*خامساً: الشبهات العقلية التي استدل بها نفاة الشفاعة:

قول القاضي عبد الجبار:

"لقد دلت الدلائل على أن العقوبة تُستحق على طريق الدَّوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والحالُ ما تقدَّمَ؟! " (٣).

* وقد رد أهل السنة على هذه الشبهة العقلية:

بأنّ الأدلة على دوام العقوبة عامّةٌ، وأدلة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر خاصّةٌ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامّ؛ فوجبَ القطعُ بأنّ النصوص التي دلت على الشفاعة مقدَّمة على العمومات الدالّة على دوام العقوبة. (٤)

* كذا يُقالُ:

إنّ هذه الشبهة هي نتيجة قد بُنيت على مقدمة باطلة، وهي أنّ صاحب الكبيرة مآلُهُ الخلودُ في النار، وهذا مما سبقَ بيانُ بُطلانِهِ، وإذا فسدت المقدماتُ


(١) أخرجه أحمد (١٩٧٣٥)، وسنده صحيح.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) شرح الأصول الخمسة (٦٨٩)
(٤) نقد الأصول الخمسة للمعتزلة (ص/٢٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>