للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الرد على أهل التعطيل والتأويل في تأويلهم صفة اليد بالنعمة]

إن الجواب على أهل التأويل الذين أولو اليد بالنعمة يكون بصريح القرآن، قال الله: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:١٠] فهل معنى ذلك: نعمة الله فوق أيديهم؟! وهل أنتم أعلم أم الله ورسوله، ثم الصحابة الكرام حتى تفسر اليد بما لم يفسروها؟! وهل الله جل وعلا يعجز أن يأتي بنفس اللغة فيقول: نعمة الله فوق أيديهم؟ وكأن الله لم يجد من يساعده على أن يصرح بلفظ النعمة، فالله يقول: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:١٠] وأنتم تحرفونها عن موضعها وتقولون: إن معناها النعمة، ولو كانت اليد بمعنى النعمة لبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مأمور شرعاً أن يبين كل ما أنزل عليه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك فالآية على ظاهرها، وقولكم يخالف ظاهر القرآن والسنة وإجماع السلف.

ولو افترضنا أن اليد بمعنى النعمة فلن يستقيم كلام الله وكلام رسوله الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى يقول لإبليس -منكراً عليه-: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥]، فإذا وضعت كلمة نعمتي مكان يدي للزم من ذلك لوازم باطلة منها: حصر نعمة الله في نعمتين فقط، وحاشا لله أن يكون كذلك، قال الله تعالى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:٣٤]، فنعمة هنا مفردة مضافة فتعم كل النعم.

وقال الله عن إبراهيم: {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} [النحل:١٢١]، وهذا جمع يدل على أن أنعام الله كثيرة وغزيرة لا تعد ولا تحصى، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين أن الأراضين جميعاً والسموات بيد الله جل وعلا قال: (وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض) فهل يمكن أن نؤول اليد بالنعمة ونقول: وبنعمته الأخرى الميزان، وبالنعمة الأولى السماوات والأرض؟! فهذا أيضاً من أبطل الباطل الذي لا تستقيم معه اللغة، ولا يتناسب مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وإذا أولنا اليد بالقدرة ووضعنا القدرة مكان كلمة يد، وقلنا: قدرة الله فوق أيديهم، فلا يمكن أن يستقيم المعنى، ولذلك ليس عندهم دليل ولا قرينة تصرف هذا الظاهر عن ظاهره.

وأيضاً في آية أخرى قال الله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥] فليس المعنى: بقدرتي؛ لأن قدرة الله واحدة باتفاق أهل العلم لغة وعقلاً وشرعاً، وهي قدرة عامة تعم كل شيء، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:٢٠]، فلازم هذا القول أن تكون القدرة متعددة، وهذا باطل.

وأيضاً: إذا قلنا: إن معنى قول الله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥] أي: بقدرتي، فإنه لا مزية لإبليس على آدم، وهذه الآية تثبت لنا أن الله فضل آدم على إبليس وأمره بالسجود له، وهذا من اللوازم الباطلة، وهو من كلام أهل الجاهلية، فإنهم يجعلون لإبليس حجة على الله؛ لأن الله فضله على آدم وأمره بالسجود له وقد خلقهما بقدرته.

ومن اللوازم الباطلة كذلك أنه لا مزية لآدم على سائر الخلق فقد خلق الله الحيوانات جميعاً بقدرته، وهذه الآية بينت المزية التي امتاز بها آدم على إبليس وعلى سائر الخلق، وهي أن الله باشر خلقه بيديه، فقال {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥]، وهذه من اللوازم الباطلة التي لا يمكن أن يقبلها المسلم، وهذا رد على المؤولة الذين خالفوا ظاهر القرآن والسنة، وخالفوا إجماع أهل السنة، ولو قلنا بكلامهم للزمنا لوازم باطلهم قد تصل بالإنسان إلى الكفر.

ونحن نعتقد في قول الله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:١٠] أن يد الله جل وعلا لا تشبه أيدي المخلوقين.

<<  <  ج: ص:  >  >>