للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يسعى من خلالها إلى امتلاك السلطة في هذا الجمع النبوي. . . الشاعر يتخذ من أوليته معبرًا إلى شكل نبوي، إنه ليس فقط الناطق باسم القبيلة، كما كان الشاعر الجاهلي، بل هو معلم الأمة وصورتها النبوية، إنه يستعيد الأصل كله ويعيد كتابته ويؤسس لأول آخر، هذه الصورة سوف تستعاد في الشعر والأدب الحديثين على أكثر من شكل، من جبران في كتابه "النبي" إلى "مردار" ميخائيل نعيمة، إلى استعادة أدونيس لاسم إله كنعاني يقوده في مجاهل الحداثة إلى آخره. . . هذا الأول الشعري سوف يتفرع إلى ما لا نهاية في عبثية أنسي الحاج ولغته الدينية، أو في جموح درويش إلى احتضان غنائية الواقع الفلسطيني ومأساويته، أو في هذا البحث المضني عن شكل جديد للقصيدة الذي بدأ مع السياب، ثم انساب مع سعدي يوسف في لغة شفافة يرتجف الواقع في ثناياه كأنه يتلألاء بالماء.

النبي يستعاد، والبحث عن الأول يكتمل في القصيدة الحديثة المتعددة الأغراض) (١).

فإنه مع اعتبار أن النبوة من بقايا الماضي، الذي يعني في أدبيات الحداثة التخلف والرجعية، يجعل من ذلك نعتًا لأدباء الحداثة، إمّا من باب تعظيمهم وتفخيمهم أو من باب الاستهانة بالنبوة والأنبياء.

ومن ملامح هذه الإطلاقات كلام أدونيس عن سلفه من شعراء المهجر وخاصة "الرابطة القلمية" وعن سمات المناخ الثقافي في أمريكا الذي جعل منها على الصعيد الاجتماعي (. . . منحى التغيير، أي الخلاص من الأفكار والقيم والتقاليد القديمة، ومن هنا سيطر الطابع النبوئي أو الرسولي في نتاجهم، لكن بدرجات متفاوتة، ومن طبيعة النبؤة أنها تُعنى بالمستقبل) (٢).

ثم يستخرج من بين هذه الفئة النصرانية العلمانية أشدهم على الرحمن عتيًا، وهو جبران خليل جبران، فيصفه بقوله: (. . . اللهجة التي يتكلم بها جبران في معظم كتاباته هي لهجة النبي، يُمكن إذن، أن نرى في نتاج


(١) الإسلام والحداثة: ص ٣١٥ - ٣١٦ من مقال بعنوان التقليد والاتباع لإلياس خوري.
(٢) الثابت والمتحول ٣/ ١٦٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>