للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذه الطريقة التي سلكها السلف الصالح، في التنزيه المجمل، والإثبات المفصّل -كما أن القرآن الكريم جاء بها، والسنة النبوية الصحيحة دلت عليها- فإن العقل الصريح يشهد بصحتها، وسلامتها، وأن ضدها مما سلكه النفاة للصفات، طريقة منكرة وفيها انتقاص أعظم من الذي فروا منه لخالقهم -سبحانه وتعالى-، وذلك أنه من المعلوم بالفطرة السليمة والعقول المستقيمة أن النفي المفصّل مسبة وإساءة أدب، حتى في حق المخلوق الذي له شأن بين الناس، فلو قلت مثلاً لسلطان في سياق المدح: أنت لست بزبال، ولا كَسَّاح (١)، ولا حَجَّام، ولا حائك … إلخ، من ذكر الأوصاف التي لا تليق بالسلطان؛ لأدبك على هذا الوصف، ولما اعتبره مدحاً أبداً، وأنت ترى أنك صادق في وصفك هذا.

وإنما تكون مادحاً له على الوجه الذي يرضاه من هو في مقامه، إذا أجملت في النفي، فقلت: أنت لست مثل أحدٍ من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف، ونحو ذلك من الإجمال المناسب للمقام، فإذا أجملت في النفي، أجملت في الأدب (٢).

هذا مما دلَّ عليه العقل، ومما يدلُّ عليه أيضاً: أن النفي المحض الذي يصفه به المبطلون من المعطِّلة النفاة، ليس فيه مدح، إنما المدح في نفي شيء يتضمن إثبات كمال ضده، وهذا موضوع القاعدة السادسة بإذن الله وسيأتي هناك تفصيله، ولعل في ما ذكر كفاية في الإشارة إلى دلالة العقل السليم على صحة هذه القاعدة.

[الأمر الثاني عشر: فوائد الالتزام بالقاعدة.]

أما فوائد الالتزام بهذه القاعدة فعديدة، منها:

١ ـ الالتزام بقاعدة النفي المجمل، والإثبات المفصّل، فيه من التعظيم لله -عز وجل-،


(١) الكَسَّاح: الكنَّاس، مأخوذ من الفعل: كَسَح، إذا كَنَس. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٧٨٦).
(٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٧٠)، الرد على القائلين بوحدة الوجود ص (٤٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>