للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الأمر الثامن: أدلة القاعدة.]

علمنا من خلال المطلب السابق معنى قياس الأولى، والذي ورد استعماله في الأمثال المضروبة في القرآن الكريم، فاجتمعت فيه الدلالة الشرعية مع الدلالة العقلية، مما يزيده قوة في الاحتجاج به في مسائل الصفات، وما نحن بصدده من نفي النقائص عن الله -عز وجل-.

وهذا القياس مأخوذ من قوله تعالى: {لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل الآية: ٦٠]، وقوله تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم الآية: ٢٧]، فالمثل الأعلى، هو: الوصف الأعلى، الذي وصف الله به نفسه، وجعل مثل السوء المتضمن للعيوب، والنقائص، ونفي الكمال، للمشركين، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها، له وحده، و (الأعلى) أفعل تفضيل، فمعنى ذلك: أنه أعلى من غيره، فكيف يكون أعلى وهو عدم محض، ونفي صرف، تعالى الله عن قول المعطلين علواً كبيراً (١).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ((والرب تعالى له المثل الأعلى، وهو أعلى من غيره، وأحق بالمدح والثناء من كل ما سواه، وأولى بصفات الكمال، وأبعد عن صفات النقص، فمن الممتنع أن يكون المخلوق متصفاً بكمالٍ لا نقص فيه والرب لا يتصف إلا بالكمال الذي لا نقص فيه، وإذا كان يأمر عبده أن يفعل الأحسن والخير، فيمتنع أن لا يفعل هو إلا ما هو الأحسن والخير، فإن فعل الأحسن والخير مدح وكمال لا نقص فيه، فهو أحق بالمدح والكمال الذي لا نقص فيه من غيره)) (٢).

قال الإمام الطبري-رحمه الله-: (({وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل الآية: ٦٠ [وهو الأفضل والأطيب والأحسن والأجمل)) (٣).


(١) انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٠ - ١٠٣١)، التحفة المهدية (١٣١).
(٢) رسالة في معنى كون الرب عادلاً وفي تنزهه عن الظلم، ضمن جامع الرسائل (١/ ١٣٦).
(٣) جامع البيان (١٤/ ١٢٥)، وانظر: (٢١/ ٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>