للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

ذَكَر التاج السبكي في "الطبقات الكبرى" (١) أَنَّ البيضاوي لما صُرِفَ عن قضاء شيراز رحل إلى تبريز، وصادف دخوله إليها مجلس درس لبعض الفُضلاء، فجلس في أخرياتِ القوم بحيث لم يعلم به أحد، فذكر المدرّسُ نكتة زعم أن أحدًا من الحاضرين لا يقدِرُ على جوابها، وطلب من القوم حَلَّها والجواب عنها، فإنْ لم يَقدِروا فالحل فقط، فإنْ لم يَقدِروا فإعادتها، فشَرَع البيضاوي في الجواب فقال: لا أسمعُ حتى أعلم أنك فهمت، فخيَّره بين إعادتها بلفظها أو معناها فبهت المدرّس، فقال: أعِدها بلفظها فأعادها ثم حَلَّها وبين أن في ترتيبه إياها خللا، ثم أجاب عنها وقابَلَها في الحال بمثلها، ودعا المدرِّس إلى حلها فتعذر عليه ذلك، وكان الوزير حاضرًا فأقامه من مجلسه وأدناه إلى جانبه وسأله من أنت؟ فأخبره أنه البيضاوي وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز، فأكرمه وخَلَع عليه في يومه ورده. انتهى.

وقيل: إنه طال مدة ملازمته فاستشفَع من الشيخ محمد بن محمد الكحتائيِّ، فلما أتاه على عادته قال: إنّ هذا الرَّجُلَ عالمٌ فاضل يريدُ الاشتراك معَ الأمير في الشعير، يعني: أنه يطلب منكم مقدار سجادةٍ في النار، وهي مجلس الحكم، فتأثر الإمامُ البَيضاوي من كلامه وترك المناصب الدنيوية ولازم الشَّيخَ إلى أن مات وصنف التَّفسير بإشارة شيخه. ولما مات دفن عند قبره.

وتفسيره هذا كتابٌ عظيم الشأن غني عن البيان، لخص فيه من "الكشاف" ما يتعلّق بالإعراب والمعاني والبيان، ومن "التفسير الكبير" ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن "تفسير الراغب" ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات، وضم إليه ما وَرَى زنادُ فكره من الوجوه المعقولة


(١) طبقات السبكي ٨/ ١٥٧ - ١٥٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>