للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فصرت (١) مجنونًا بها بعدما ... كنتَ دواءً للمجانينِ

أين رِواياتُك فيما مضى ... عن ابنِ عونٍ وابنِ سيرينِ

أين رواياتك في سردِها ... في تركِ أبواب السَّلاطينِ

إن قلتَ أُكرِهْتُ فذا باطلٌ ... زلَّ حمارُ العلمِ في الطينِ

فلمَّا وقف ابن عُلَيَّة عليها، قام مِنْ مجلسِ القضاء، فوطىء بساطَ الرَّشيدِ، وقال: اللَّهَ اللَّهَ، ارحم شيبتي، فإِنِّي لا أصبِرُ على القضاء، فقال: لعلَّ هذا المجنون أغراك؟ ثم أعفاه، فوجَّه إليه ابنُ المبارك حينيذٍ بالصُّرَّة.

ويُقال: إن ابن المبارك إنما كتبَ إليه هذه الأبيات لمَّا وليَ صدقات البصرة. وهو الصحيح] (٢).

وعُزل شيخنا بعدُ بيسيرٍ قبل استكمالِ سنة في الثامن أو السبع من ذي القعدة، وأعيد الشَّيخُ شمسُ الدِّين الهروي، فباشر كعادته، ثم انفصل وأُعيد صاحبُ التَّرجمة في ثاني رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان -فيما قاله القاضي محبُّ الدين البغدادي كما سلف- يومًا مشهودًا، وحصل للنَّاس سروران عظيمان: أحدهما بولايته، لأن محبَّته مغروسةٌ في قلوب النَّاس، والثاني بعزل الهروي، فإنَّ القلوب كانت اتَّفقت على بُغضه، لإساءته في ولايته، وارتكابه الأمور الذَّميمة.

ثم في الثامن مِنْ رجب توجَّه إلى مصر في موكب عظيم ومعه القُضاة ونوَّابُهم والفقهاءُ مَنْ لا يكاد يحصر، وكان أيضًا يومًا مشهودًا.

وإذا لم يكن مِنَ الصَّرف بدُّ ... فليكُنْ بالكبارِ لا بالصِّغار

وإذا كانت المحاسن بعد الصـ ... ـرف محروسة فليسَ بعارِ

وقد كان عَقِب صرفه تكلَّم معه داودار السُّلطان يومئذٍ، واسمه جاني


(١) في (ط): "فصيرته".
(٢) من قوله: "ولهم في فعلهم سلف" في الصفحة السابقة إلى هنا لم يرد في (ب). والخبر في تاريخ بغداد ٦/ ٢٣٥ - ٢٣٧.