للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[(المقدمة) الخامسة]

الحسن والقبح: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته. وصفة الكمال والنقص عقلي (١) وبمعنى ترتب الذم عاجلًا والعقاب آجلًا على الفعل وعدمه عندنا شرعي، وعند المعتزلة عقلي. وهو الموصوف بصفة لأجلها استحق فاعله الذم والعقاب، استقل العقل بمعرفته ضرورة كالكذب الضار، أو نظراً كالكذب النافع. أو لا يستقل كصوم يوم العيد إذ الشرع يعرف اتّصافه بما لأجله قبح.

لنا: إن فاعل القبيح إن لم يتمكن من تركه كان فعله اضطرارياً. وإن تمكن ولم يتوقف ترجح فاعليته على تاركيته على مرجح كان اتفاقياً. وإن توقف لم يكن ذلك المرجح منه، ويجب الفعل عنده لئلا يتسلسل (٢) ولا يلزم خلاف ما فرض من المرجح التام، وحينئذ يكون اضطرارياً. والاضطراري

والاتفاقي لا يقبحان عقلًا بالاتفاق.


(١) خلاصة الكلام في مسألة الحسن والقبح: بيِّن الأرموي رحمه الله تبعاً للإِمام الرازي أن الحسن يطلق على ملاءمة الطبع، والقبح على منافرته كحسن إنقاذ الغرقى وقبح أخذ الأموال ظلماً وكذلك يطلق الحسن على صفة الكمال، والقبح على صفة النقص كحسن العلم وقبح الجهل، وهما بهذين المعنيين محل اتفاق بين أهل السنّة والمعتزلة على أنهما عقليان.
وأما إطلاقهما وإرادة ترتب المدح في العاجل والثواب في الآجل بالحسن وترتب الذم في العاجل والعقالب في الآجل بالقبح. فهما محل خلاف.
قال أهل السنّة: إنهما شرعيان بمعنى لا يؤخذان إلا من الشرع ولا يدركان إلَّا به. وقالت المعتزلة هما عقليان أي أن العقل يدركهما من غير توقف على الشرع مع أنه لا خلاف بين أهل السنّة والمعتزلة في أن الحاكم هو الله سبحانه وتعالى لا حاكم سواه، وأن العقل لا حكم له في شيء بالكلية. ولكن بعض أهل السنّة من المؤلفين أطلقوا عبارات فيها تساهل شديد بالنسبة للمعتزلة حيث إن عباراتهم تدل على أن الحاكم عند المعتزلة هو العقل ومن ذلك:
قول ابن السبكي: وحكَّمت المعتزلة العقل. انظر في شرحه جمع الجوامع ١/ ٦٤.
وقول البيضاوي: الحاكم الشرع دون العقل انظر نهاية السول ١/ ٢٥٨.
وقول العضد: قالت المعتزلة بل الحاكم بها العقل. انظر المواقف ص ٥٢٩ ولمعرفة آراء المعتزلة انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ٢/ ٢٨٨.
(٢) وفي "ب" أو لا يلزم وفي "جـ" ولئلا يلزم.

<<  <  ج: ص:  >  >>