للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[السمة الثالثة: اتباع المتشابه]

ذكر الله في كتابه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:٧] .

وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته التدمرية بكلام نفيس حول قضية التشابه، وأن التشابه ينقسم إلى قسمين: ١- تشابه عام.

٢- تشابه خاص.

والتشابه الخاص: هو الذي يشتبه على بعض الناس دون بعض.

والتشابه العام: هو الذي يشبه بعضه بعضاً، يعني: يصدق بعضه بعضاً ولا يعارض بعضه بعضاً، وهذا التشابه الذي وجد من علامات المبتدعة وهو ما يشتبه على بعض الناس، فتجد بعض الناس يأتي بالآية ويقول: هذه الآية ترد هذه الآية، وهذا الحديث يرد هذا لحديث، ولذلك ذكر الله: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} [آل عمران:٧] .

لكن الله أثنى على الراسخين في العلم فإنهم: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران:٧] ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله كلاماً عظيماً نفيساً يتعلق بالأمور الغيبية، وبالأمور المتشابهة، قال: (آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم) هذا هو التسليم التام لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو الواجب على كل مسلم أنه متى علم شيئاً عمل به وسلم له، وما لم يعلمه فإنه يرده إلى عالمه كما سنبين ذلك إن شاء الله في شرحنا لـ لامية شيخ الإسلام لأنه أومأ إليها:

وأرد عهدتها إلى نقالها

وهذا هو مقتضى قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.

روى الإمام البخاري من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا هذه الآية، قال: (إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) .

ولذلك يدخل في هؤلاء طوائف المبتدعة كـ المعتزلة وغيرهم، الذين يجلسون فيثيرون الشبه والشكوك.

وسبحان الله! نُقل أن الفخر الرازي وهو من كبار أئمة أهل الكلام، ومن كبار الأشاعرة، وعليه ملحوظات في معتقده، ألَّف كتاباً في التفسير اسمه: مفاتيح الغيب، ويسمى: التفسير الكبير، قالوا: إنه يورد الشبه فيه ويؤصلها ويمكنها، ولكنه لا يستطيع الرد عليها، قالوا: فكان يورد الشبه نقداً ويدع الرد نسيئة، كأنه نوع ربا، وليته لم يذكر الشبه أصلاً ولا تعرض لها، وكانت عقليته عجيبة جداً.

وذكروا من اللطائف أنه مر ذات مرة في طريق وكان يمشي، فمر أحد تلاميذه ومعه امرأة كبيرة السن، ربما تكون أمه أو قريبة منه، فأراد أن يعرِّف أمه بهذا العالم الكبير، فقال لها: إن هذا العالم يحفظ ألف دليل على وجود الله تعالى.

فقالت هذه المرأة بفطرتها: والله لو لم يكن في قلبه ألف شك ما احتجنا لألف دليل، ما الحاجة إلى ألف دليل على وجود الله تعالى، مثلما يقال لإنسان: هات مائة دليل على أن (اللمبات) مضيئة؟ ليس هناك حاجة إليها أصلاً، مما يدل على أن الواجب على الإنسان أن يبتعد عن الأمور المتشابهة.

ولذلك كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورضي عنه وهو إمام أهل السنة قاطبة يحذر تلامذته من حضور مجالس المبتدعة كـ المعتزلة وغيرهم، وكذلك الكلابية الذين كان لهم قوة وانتشاراً في عهد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، والسبب: لأنهم يثيرون الشكوك والشبه.

ولما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: ألا تناظر المعتزلة على الملأ وتناقشهم؟ قال رحمه الله: ليس من ضعفٍ فيَّ من ردي ومن مناقشتهم، ولكن ربما أرد رداً لا يفهمه بعض الحاضرين يكون فتنة عليه وشبهة وشكاً في قلبه لم يكن يعلمه، ولهذا قال علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى ورضي عنه: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله] ولهذا لو جاء إنسان عندنا يحدث في جماعة المسجد وليس في حلقة علمية، يحدثهم عن شبه المعتزلة والرد عليها، ثم يأتي بنصوص نفي صفة الرؤية، ثم يبدأ يرد عليهم، أو يأتي بكتاب من كتب النصارى ثم يقول: قال النصارى كذا وكذا، ونحن نرد عليهم بكذا، نقول: ليتك ما تكلمت وإن كان ما تقوله حقاً، فربما يكون في قلب أحدهم شبهة فتنقدح في قلبه، وربما يكون سبباً لانحرافه عن صراط الله المستقيم، ولذا قال علي كما في الصحيحين: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله] .

<<  <  ج: ص:  >  >>