للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليه قصته. فقال له: مبارك؛ ثم شرع هو وجماعته في الغناء، فعند ابتدائه فيه صرخ الشيخ على ذلك المغني فوقع ميتا، فقال الشيخ: قيل بقتيل، أخذنا ثأر صاحبنا؛ ثم أخذ في التجهيز والرجوع إلى الديار المصرية، ولم يلبث ببغداد بل عاد من فوره.

قلت: وقد جرى في زمني شيء من هذا يليق أن أحكيه ههنا، وذلك أنه كان عندنا بمدينة إربل مغن موصوف بالحذق والإجادة في صنعة الغناء يقال له: الشجاع جبريل بن الأواني، فحضر سماعاً قبل سنة عشرين وستمائة، فإنني أذكر الواقعة وأنا صغير، وأهلي وغيرهم يتحدثون بها في وقتها، فغنى الشجاع المذكور القصيدة الطنانة البديعة التي لسبط ابن التعاويذي - الآتي ذكره في حرف الميم في المحمد ين إن شاء الله تعالى - وأولها (١) :

سقاك سار من الوسمي هتان ... ولا رقت للغوادي فيك أجفان إلى أن وصل إلى قوله منها:

ولي إلى البان من رمل الحمى وطر ... فاليوم لا الرمل يصيبني ولا البان

وما عسى يدرك المشتاق من وطر ... إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا

كانوا معاني المغاني، والمنازل أم ... وات إذا لم يكن فيهن سكان

لله كم قمرت لبي بجوك أق ... مار وكم غازلتني فيك غزلان

وليلة بات يجلو الراح من يده ... فيها أغن خفيف الروح جذلان

خال من الهم في خلخاله حرج ... فقلبه فارغ والقلب ملآن

يذكي الجوى بارد من ثغره شبم ... ويوقظ الوجد طرف منه وسنان

إن يمسى ريان من ماء الشباب فلي ... قلب إلى ريقه المعسول ظمآن

بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للآغماد أجفان فلما انتهى إلى هذا البيت قام بعض الحاضرين وقال له: يا شجاع، وأعد ما قلته، فأعاده مرتين أو ثلاثاً وذلك الشيخ متواجد، ثم صرخ صرخة هائلة


(١) ديوان سبط ابن التعاويذي: ٤١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>