للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

[في الطريق إلى حضارتنا]

ألقيت في جامعة الملك عبد العزيز بجدة

في يوم الأربعاء ٢٣ ربيع الآخر سنة ١٣٩٤/ ١٥ مايو سنة ١٩٧٤

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.

لا أملك إلا الشكر الجزيل على هذه الدعوة التي جاءتني من جامعة الملك عبد العزيز، موجهة من صاحب المعالى وزير المعارف والرئيس الأعلى للجامعة الشيخ حسن عبد الله آل الشيخ. وقد عشت أكثر من أربعين سنة في عزلة ضربتها على نفسي حتى استحكمت، وصارت كأنها طبيعة فطرت عليها، أنظر إلى العالم من حولى وأحس به من خلالها. فلما جاءتنى هذه الدعوة الكريمة أحدثت في إلفي الطويل لهذه العزلة انتقاضا ناسفا لما أبرمته السنون الطوال فتصدعت أسوار العزلة التي اخترتها ورضيتها لنفسي، تصدعت على غير توقع، فلم يخطر ببالى قط أن يدعونى أحد لأنى منذ هجرت الكتابة في المجلات والصحف أكثر من عشرين عاما، كنت قد وضعت اسمى في صندوق مغلق، لا يعرف ما فيه إلا عدد قليل من قدماء القراء. أما الأجيال الحديثة، فهي تمر عليه بلا مبالاة، ثم لا تجد ما يحفزها على الكشف عما يحتويه هذا الصندوق المغلق، والكاتب إذا وضع قلمه صدئ القلم، وإذا حجب اسمه عن القراء، نسى اسمه، وانطمس رسمه، ودخل في حيز الموتى، وإن كان يعد في الأحياء. فلما جاءتنى هذه الدعوة الكريمة، فكأنها فرضت عليَّ أن أجلو ما صدئ من قلمى، وأن أسترد لنفسي صورة أبدو فيها حيا بعد طول الرقاد في حيز الموتى من الماضين. . . وحب الحياة شهوة خفية في كل قلب، فإذا كان اللسان معبرا عن ظاهر الشكر لهذه الدعوة إلى الحياة فإن الباطن شكر لا يكاد ينتهي إلى غاية.


(*) مجلة الثقافة، العدد العاشر - يولية ١٩٧٤، ص ٤ - ١٠