للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[من مذكرات عمر بن أبي ربيعة حديث غد. . .]

(قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة) (* *): خرجتُ في صفر من سنة أربعين أريدُ المدينة أزورُ فتيانًا من أصحابي بها، وأتحسَّس الأخبارَ أخبار الفتن المشئومة التي توزَّعت قلوب المسلمين، وأنظر ما فعل بُسْر بن أبي أرطاة بِمُهاجَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد بلغنا أنه أحدث فيها أحدَاثًا عظامًا.

غادرت مكة يوم غادرتها وهي كالتنور المتوقد، فقد ذابت عليها الشمس، واحتدمَ وَهجُها وبقينا نتنفس بين أخشبيها (١) لظى من فيح جهنم، حتى يحس المرء كأنّ الدمَ يفورُ فورانًا في عروقه، وقد خدر النهارُ من حوله فلا ريحٌ ولا روحٌ، فلكلّ نَفَسٍ لذعة في الخياشيم والصدر تنشف الرِّيق حتى يكادُ اللسان ينشقُّ من فرط جفافه، وحتى يكاد يظن أنه الجنون. ما أصبرنا يا أهل مكة على صياخيدِها (٢)، وما أحبها إلينا على شدة ما نلقى من لأوائها! بورِكتْ أرضًا وتعالى من حرَّمها وتقدَّست أسماؤُه.

كان النهارُ حرًّا ماحقًا منعنا التأويب، فكان سيرُنا كله إدلاجًا (٣) تحت غواشى الليل إلى أن يُشفِرَ الفجر وطرفًا من النهار. ولشدَّ ما أعجبني الليل وراعني حتى تمنيتُ أيّامئذ أن الدهر ليل كلُّه، فقد كنت أسرى تحت سماءٍ زرقاء ملساءِ صافية كأن النجومَ في حافاتها وعلى صفحتها دُرٌّ يتلألأ على نحرِ غانيةٍ وأنا تحت


(*) الرسالة، السنة الخامسة عشرة (العدد ٧٠٥)، يناير ١٩٤٧، ص: ١٤ - ١٧
(* *) كتب عمر هذه الكلمات وهو في السابعة عشرة من عمره، فقد كان مولده ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين يوم مقتل عمر بن الخطاب (شاكر).
(١) الأخشبان جبلا مكة المطيفان بها، وهما أبو قبيس والأحمر.
(٢) الصياخيد: جمع صَيخود، شدة حَرّ الشمس.
(٣) التأويب: الرجوع بالليل، يعني لا ينزلون ليلا وإنما يسيرون الليل كله، وهو الإدلاج، لأنهم لا يستطيعون السير نهارا لشدة حر الشمس.