للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

١ - الفتنة الكبرى

بادرت إلى قراءة كتاب "الفتنة الكبرى" الذي صنفه الدكتور طه حسين، لأنه أول كتاب له عن رجل من رجال الصدر الأول من الإسلام، وهو "عثمان بن عفان" أمير المؤمنين وخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا أعرف للدكتور مكانه من العلم والتحقيق، وحسن تأتيه في تخريج الكلام؛ فمن أجل ذلك أيقنت أنه سيملأ هذا الكتاب علمًا يضارع قدر هذا الرجل، ويوازن خطر الفتنة التي اضطرم سعيرها في آخر خلافته، وانتهى باغتيال خليفة رسول الله اغتيالا لم يعرف تاريخ الإسلام أبشع منه ولا أفظع. وقلت لنفسي قبل أن أتجاوز الكلمة الأولى من الكتاب: إن طه خير من يصور للناس هذه الأحداث المختلطة المضطربة، وخير من يهديهم في شعابها إلى مفصل الرأي ومقطع البيان. وقديمًا ما ضل الناس في بيداء هذه الفتنة المظلمة، وقديمًا ما أخطأ الكتاب فهم هذا الحادث الجلل، وقديمًا ما حار الناس في أمر المسلمين الذين ذبحوا خليفتهم كما تذبح الشاة المظلومة، وقديمًا وحديثًا ما خاض الناس، فما خاضوا إلا مضلة لا يهتدى فيها سار إلى علم يفضى إلى جادة واضحة أو إلى غاية معروفة.

رميت بنفسي وعقلي في هذا الكتاب، وأنا على مثل هذه الثقة التي وصفت، وبمثل هذا الأمل الذي أملت، فما كدت أفرغ حتى رأيت الكتاب كله يختلج بين يدي. ولست أحب أن يعرف القارئ لم اختلج الكتاب. فهذا حديث طويل لو بدأت أقصه لما عرفت أين أنتهي، فأنا طاويه عنه؛ لأنى أوثر أن أدع قلبه حيث هو من الاستقرار والأمن والرضى، وأنا أفعل هذا وإن شاء هو أن أنشر هذا الذي طويت، وأفعله وإن كره لنفسه هذا الاستقرار والأمن والرضى. وحسب القارئ أن ينظر معي إلى موضعين في هذا الكتاب، لم ينقض عجبى منهما ولن ينقضى عجبه حين يقف على خبرهما.


(*) الرسالة، السنة السادسة عشرة (العدد ٧٦١)، فبراير ١٩٤٨، ص: ١٣٤ - ١٣٨