للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والإحساس بهذين العنصرين الخليطين إحساس سريع، خاطف، ناقد، لطيف، دقيق، دفين، قائم في النفس لأول وهلة عند سماع كل كلام أو قراءته، من العسير عليّ أن أتقصاه هنا أو أعبر عنه تعبيرا واضحا في كلمات قلائل، ولكن كل أحد قادر على تبينه بالأناة والتوقف. وبالتأمل والدربة، فيما أظن. ولكنه على كل حال، إحساس خفي مكنون مقنع بقناع من الكتمان. يحتاج إلى ما يهتك عنه هذا القناع حتى يسفر ويستبين وينجلى، ثمَّ يبوح بما عنده.

ولكن ليس أمر "التذوق"، في الحقيقة، محفوفا بمثل هذه القسوة والصرامة التي ألجأتنى إليها طبيعة حديثي عنه، وطبيعة اللغة التي تجعلنا "اضطرارا" أن نجسد ما لا يتجسد. فما من إنسان حي عاقل مدرك، صغير أو كبير، جاهل أو عالم، قَل علمه أو كثر، إلا و"التذوق" حاضر في دخيلته حضورا ما، لأنه "إنسان" قد أودع الله في بنائه هذه الأعجوبة النفيسة الغالية التي صار بها إنسانا، وهي "القدرة على البيان". فهو، إذن على هذا "التذوق"، لأنه ما من شيء يسمعه أو يبصره أو يحسه أو يذوقه، أو يتوهمه أيضًا، إلَّا وهو محتاج فيه إلى "القدرة على البيان" بعمليها في "الإبانة" و"الاستبانة" أي "التذوق"، لأنه غير قادر على إدراك أي معنى أو تصوره، إلا عن طريق هذه القدرة وأدائها لعمليها أداء ما فالتذوق إذن، ضرورة لكل حي منا، منذ يولد إلى أن ينقطع أجله على هذه الأرض.

وهذا الإلف الطويل لقيام "التذوق" فيه وأدائه لعمليه، منذ يولد إلى أن يكبر ويعقل يؤهله، بلا وعى منه حاضر فريد واضح الإرادة، أن يكتسب قدرة على سرعة استخلاص قدر لا بأس به من هذا الخليط الذي امتزج فيه العنصران جميعًا، وعندئذ، ولأول وهلة، ينفصل شيء بعد شيء من هذا الخليط وكأنه انفصل من تلقاء نفسه، ويبرز للمرء واضحًا جليا، ولا يحس البتة أنه بذل في تبينه جهدا أو تعمد بذله. وهذا هو "التذوق" الساذج الذي لم يتم عن منهج مرسوم أو قصد أو عناية. ولكن يبقى في الخليط الممزوج من العنصرين بعد ذلك شيء "كثير"، يحتاج إلى منهج وقصد وعناية أي يحتاج إلى إرادة واضحة، وإلى تنبه وبصر،