للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والكلمة الأولى من كلمتي الأستاذ سيد قطب، إنما تدور رحاها ورحى (بغضائه) للرافعي -أو كما قال- عن نفي الإنسانية من ذلك الإنسان رحمة الله عليه، وخلوه من النفس، وفقدانه الطبع، وفقره إلى الأدب النفسي -وما إلى ذلك من لفظ قد ضل عنه معناه، وتهافت عليه حده- وأنه كان (رحمة الله عليه) ذكيًّا قوي الذهن، ولكنه كان مغلقًا من ناحية الطبع والأريحية، وأن أدبه كان أدب الذهن لا أدب الطبع، فيه اللمحات الذهنية الخاطفة، واللفتات العقلية القوية، ولكن الذي ينقصها أنه ليس وراءها ذخيرة نفسية، ولا طبيعة حية، إلى غير ذلك مما حفظه الأستاذ من شوارد اللفظ، وأوابد المعاني. . . . وأسمع جعجعةً ولا أرى طحنًا (١).

وأنا كنت أتنظر بالأستاذ أن يأتي في كلمته الثانية بشيء من النقد يُنسى إليه ما قدم في الأولى من سوء العبارة وشُنْعَة (٢) اللفظ في ذكر الرافعي الميت؛ ولكن خاب الفأل، وجاءت الثانية تدل مَنْ يَغْفُل عن الدلالة البينة، على أن هذا الأستاذ الجليل لا يزال يستملي ما يكتب من بغضائه. وهان شيئًا أن يكره الأستاذ الجليل رجلا كالرافعي حتى جمله الشلّ من بغضه؛ ولكن الأمر كل الأمرِ حيث ذهب يزعم فيما يكتب أن هذه البغضاء التي يستملى منها هي النقد، وأن أحكامه على الرافعي إنما هي أحكامُ قاضٍ، لزم المتهم حتى أنطقه وأشهد عليه لسانه، فاستوعب كلامه واستنبط الحجة عليه من ألفاظه، واستوثق للتهمة من قوله، ثم بنى (الحيثيات) من فحوى عباراته، ثم حكم وما حكم على المتهم إلا كلامُه، ولا شهد عليه إلا لسانُه.

فلهذا كان علينا لزامًا أن ننظر في الذي أتى من كلام الرافعي. ثم قوله فيه، واستنباطه الدلائل منه، وتحليله نفس الرافعي من لفظه حتى جعله مستغلق الطبع مسلوب العقيدة، ثم هو فوق ذلك لا يزال يبدئ ويعيد في كلامه ذِكرَ أصدقاء الرافعي وأصحابه ويسخر منهم ويتحداهم، ويحملهم على مركب وعر، ويضطرهم بين خُطَّتى خَشفٍ (٣) في أحكامه على الرافعي، ويخيرهم أن يختاروا


(١) طحنا: الطحن: الطحِين، فعيل في معنى مفعول أي المَطْحُون، "أسمع جَعجعة ولا أرى طِحنا" مَثَل.
(٢) شنعة: الشنعَة، شَنُع الأمر شَناعة وشُنْعا وشُنُوعا: قَبُحَ، فهو شنيع، والاسم: الشُّنْعَة.
(٣) خُطتا خَشف: أمران فيهما الهوان والبلاء والمكروه. وجاءت هذه العبارة في شعر عبد الله ابن الزَّبير (انظر ابن سلام: ١٧٦).