للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

ويظهر لي أن البعيث كان قد خرج هو وصاحباه (يزيد وعبس) إلى خراسان في ولاية أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ومن أجل ذلك قال: "ومن دونها مسيرة شهر للبريد المذبذب".

قال التبريزى في شرح البيت: "أي أشرفا على الهلاك. هذا إذا رويت بفتح الكاف. يقال: أصابه نَكْبٌ من الدهر ومَنْكَب ونَكْبة ونُكُوب كثيرة. ومنه حافر نَكِيب ومَنْكُوب: إذا أثَّر فيه حجر أو غيره. ويروى (على حد منكِب) بكسر الكاف. يعني أنهما كانا مهاجِرَيْن له. يقال: فلان معي على حد منكِب: أي كلما رآني التوى ولم يتلقني بوجهه. وتنكَّب عني: أي اجتنبني. والمنكب من كل شيء جانبه وناحيته. ومثله قولهم: فلان يلقاني على حرف. وفي القرآن {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ}. ويجوز أن يريد بقوله: (بعد ما ساء ظنه) بعد تسلط اليأس والقنوط من الحياة" (١).

والذي حمل التبريزي على التفسير الذي اجتهد فيه، وادعى فيه دعوى ليس عليها بينة من نفس الشعر، ولا من كلام العرب، بعد أن قارب المعنى الصحيح في الشعر بقوله "أي أشرفا على الهلاك" -أنه أتى من سوء فهمه الذي بدر إليه في معنى قوله: "دعانى يزيد بعد ما ساء ظنه وعبس" فتوهم أنه أراد (بعد ما ساء ظنه في)، ثم ازداد في توهمه فزعم مهاجرَة كانت بين البعيث وصاحبيه عبس ويزيد، لكي تتسنى له المداخل إلى دعواه في تأويل الكلام على وجهٍ توهمه واخترعه، ثم أثبته بقوله "يقال: فلان "معى على حد منكب". وهو شيء لم يقله غير التبريزى نفسه، بالمعنى الذي فسره به، وكان من حيرته أن عاد في آخر شرحه يقول: "ويجوز أن يريد بقوله (بعد ما ساء ظنه) أي بعد تسلط اليأس


(١) كلام أستاذنا عن التبريزي في تهجمه على المعاني وانشغاله بالنحو حق لا مراء فيه. ولكن أستاذنا هنا افتات على التبريزى وظلمه، فهذا الشرح لم يختلقه التبريزى، وإنما نقله عن المرزوقى بنصه (الحماسة بشرح المرزوقى ١: ٣٨٠ - ٣٨١)، وهذا شأن التبريزى دائما، فقد اهتدم شرح المرزوقى حين كتب شرحه على حماسة أبي تمام، وزاد عليه في مسائل النحو والإعراب واشتقاق الأسماء. فالمرزوقى هو الذي اجتهد، وهو عندي عريض الدعوى، جرئ على التوهم، كثير التخليط في اجتهاده.