للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إن تَلْق عمرًا فقد لاقيتَ مُدَّرعًا ... وليسَ من همهِ إبْلٌ ولا شاءُ

في جَحفَل لَجِبٍ صَواهلُهُ (١) ... بالليل تُسمَعُ في حافاتهِ: آءٌ

وقد أفرد أصحاب اللغة هذه المعاني التي ذكرناها، فقالوا: "آء" حكاية لصوت زجر الإبل، وليس كذلك، وهذا البيت يدل على خلافه كالذي قدمنا في بيان معناه: فأنت ترى أن هذا الحرف "الهمزة" يحمل معهُ أين كان معنى الصوت المغسول الأوَّل، وهو الإشارة والتنبيه وما إلى ذلك من استفهام وتعجب وما يتفرع منها.

وأما العين والحاء والغين والخاء. فهذه الحروف الأربعة الحلقية لا تصلح للاستفهام والتعجب وما إليهِ لأنها في الحقيقة أحرفٌ غير خالصة بين الحلْق والهواء الذي يلاقيها خارج الفم ولما في جميعها -إلَّا الحاء- من التكلف والضغطِ والتعسُّر في المخرج وارتطامها قبل الهواء ببعض أجزاء الفم عند مقطعها المبين عن صداها. انطق: "إعْ، إغْ، إخْ". والحاء، وإن كانت أسهل وأخفَّ وأسلم، فهي مع ذلك مقرونةٌ بحشرجةٍ طفيفةٍ رقيقة غير مُثْقلة مع كفِّ النَّفَس المقذوف عن الانطلاق إلى نهاية تصادُمه بالهواء خارج الفم، وإنما تصلح للدلالة على نوع الصوت المراد تمثيله، أو تصوير الصوت مقرونًا بالحركة التي تكون معهُ أو تلحقهُ من جرَّاءِ ألم يدعو إلى هذه الحركة، كما قالوا مَثَلًا في الرجل إذا ذَرَعهُ القئُ -فمدَّ ذراعيه على الأرض وأقبَلَها وَجْهه ونَغَضَ إليها رأسه وتمايل على الأرض ليقئَ: "هَاعَ"، فهذه بلا شكّ حكايةُ صوت القئ أوَّلَ ما يكون بالهاء، ثم ما يكون من تضرب الطعام المائع في الحلق كصوت العينِ، ثم انطباق الحنجرةِ وتصويتها في هذا الانطباق بصدّى كصدى العين.

هذا ونحن لا نستطيع أن نستوفي لك في هذه الكلمة كل الذي نريده من المعاني، فهو كما ترى بابٌ واسع متداخل يفضى قولٌ منهُ إلى قول، وهو مما


(١) قف عند قوله "صواهله" ثم انزع إلى الابتداء بعد سكتة فاقرأ "بالليل. . . .". هذا صواب إنشاد الشعر ونرجو أن نوفق قريبًا إلى كتابة كلمة للمقتطف للبيان عن طريقة قراءة الشعر. (شاكر)