للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وليست السرقة في الحقيقة إلا هذا الضرب من الاستلاب، فسارق الشعب يخون الشعب ويخون نفسه ويمنع غيره من الانتفاع بحق الحياة التي أوجدوا فيها جميعا ليعملوا لها جميعا متعاونين متظافرين.

وعدم شعور السارق المُغْمِض (١) في سرقته المستطيل بها المصر عليها، دليل قائم أبدًا على انعدام إحساس القلب فيه، وإذا عدم القلب إحساسه -أي حركته في الحياة- رق وتخرق وبلى وأخذه المَحْق من كل وجه، فلا يمكن أن يعد في القلوب ولا أن يجرى عليه حكم القلب الحي في قبوله للتجدد والحياة المستأنفة من أولها مشرقة كميلاد الفجر مع كل صباح.

وإذا ابتلى الشعب، ثم أخرج منه هذا البلاء رجالا كان من صفتهم ما ذكرنا من الاستكانة واللهو والعبث واهتبال اللذات على مدها وتطويحها، كان هؤلاء بلاء آخر على الشعب ومستقبل الشعب، وكانوا فوق ما وصفنا جثثا مطروحة على طريق الشعب تعتاقه عن مسيره إلى الغاية التي تنبغي له أن يسير إليها. وإذن فهو بين اثنتين: أما أن يطأ الشعب على جثث الشعب، وإما أن ينتظر حتى يمتهد لأجياله طريقا آخر يكون فيه السير حثيثًا لا تقوم في سبيله عقبات كهذه. وكلا الأمرين تعويق وتخذيل وإضاعة وبلاء من البلاء.

ومن ذلك، فإن الحياة تأبى إلا أن تجعل لأحيائها أساليب كثيرة منها ينفذون، فاليأس -من أن يكون في هذه الجثث صلاح بعدُ- أمرٌ لا تكاد تقبله الحياة إلا بعد طول التجربة والامتحان، ولم يبق إلا الأمل في أن يكون إصلاح هذه الجثث وبعثها، وإيجاد قلوب جديدة في جثمانها، أمرا مقاربا ممكنا مستطاعا يجب العمل له، والحرص عليه، والاحتيال في تصريفه احتيالا صحيحا مدبرا يفضى بنا إلى الغاية منه.

وقد تسهل في هذا العصر خاصة ما لم يكن في العصور الخالية، فالطريق إلى إسماع الناس ودعوتهم وتنبيههم صارت أقرب وأسرع، فالطباعة والصحافة


(١) أغمض في الشيء: مضى فيه.