للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

له أشداقها وأحدت أنيابها، فلا يزال -إلا أن يعصم الله- يتهاوى فيها ما اندفع به إليها هواه.

ولكن كيف كان يملك صاحبي وإرادته في البصر؟ إنها كانت تعمل أبدًا -وهو لا يستطيع أن يدرك- على أن تبقى حبيبة أحلامه ولو قتلته. نعم إن بعض ضحكها كان يصفق بدلالها كأن أمواج شبابها تتلاطم فيه وتزخر، شبابها. . .! ! شباب امرأة جميلة متكبرة معجبة، شباب أنثى تحب، وتريد أن تبقى أبدًا محبوبة يهيم في أوديتها المسحورة من يحبها. ومع ذلك فقد كان يجد لما يلقاه منها فرحًا في نفسه، ونشوة في روحه وعربدة في دمه، كان كالسكران بحبها لا يستطيع شيئًا ولا يملك إلا أن يخضع لذلك السلطان المرح الظافر المبتسم، السلطان العنيف الذي يقبض على روح المحب بحنان طاغ مِن روح مَن يحب.

وعلى ذلك فإن هذا الرجل المسكين -على عنفه وصلابته وفحولته- لم يجد بُدًّا من أن يسلم لها قياد عواطفه التي تَصبُو صبواتها إلى أناملها الرخْصَة الساحرة. كيف يقاوم الرجل الحب -مهما استصعب والتوى- امرأة مقدسة يحبها، فهو يتصبب بروحه في روحها؟ استسلم لها، ولكنه كان يشعر بعد هذا الاستسلام أن ليس في هذه الدنيا شيء يستطيع أن يقهر إرادته، أو أن يحول بينه وبين ما يرمي إليه من أغراضه وإن بعدت. كان معنى خضوعه لها أنه يستطيع إذن أن يخضع الأشياء كلها لسلطانه. . . وما أعجب هذا الحب! أرأيت إلى ذلك الضرس الفولاذي الصليب المتكبر من الجبل الإنساني في صاحبي ذاك. . .؟ لقد كان يُرَى وهو يذل لهذه الساحرة أيامه ولياليه خاشعًا مستكينًا كأنه يهودي منبوذ فقير في غربة موحشة!

ولكن لا تخطئ معنى الذل في فحوى حديثي، أعرفه صورة أخرى من الكبرياء المأسورة في سجن امرأة محبوبة. إن إحساسه بحبه لها كان ضروبًا من فن الروح العاشقة. لم يكن يراها امرأة مجردة يحبها بحرارة القلب الملتهب بالرغبة أو بالحب. كلا، كلا، لقد كان يجدها أحيانًا في أوهام عواطفه ومدّها أُمًّا، فهو يريد من أمومتها المحبوبة أن تمهِّد له في قلبها تلك العاطفة الوثيرة اللينة