(قال) أي ابن مسعود قلت لرسول الله ﷺ: (ثم أي) بالتشديد والتنوين كما سمعه أبو الفرج بن الجوزي من ابن الخشاب. وقال: يعني ابن الخشاب لا يجوز غيره لأنه اسم معرب غير مضاف، وأجاب الزركشي في تعليق العمدة بأنه مضاف تقديرًا والمضاف إليه محذوف لوقوعه في الاستفهام والتقدير، ثم أي العمل أفضل؟ قال: فالأولى أن يوقف عليه بإسكان الياء، وتعقبه في المصابيح فقال: كأنه فهم أن ابن الخشاب نفى كونه مضافًا مطلقًا حتى أورد عليه أنه مضاف تقديرًا، وليس هذا مراد ابن الخشاب قطعًا إذ هو بصدد تعليل إيجاب التنوين فيه وهو يثبت بكونه غير مضاف لفظًا وتقدير الإضافة لا يوجب عدم تنوينه، بل ولا يجوزه، وتوجيه الفاكهاني في شرح العمدة بأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب منه ﵊، والتنوين لا يوقف عليه إجماعًا، وحينئذ فتنوينه ووصله بما بعده خطأ فيوقف عليه وقفة لطيفة ثم يؤتى بما بعده. أجيب: عنه بأن الحاكي لا يجب عليه في حالة وصل الكلام بما قبله أو بما بعده أن يراعي حال المحكي عنه في الابتداء والوقف، بل يفعل هو ما تقتضيه حالته التي هو فيها والاستعمالات الفصيحة شاهدة بذلك. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فهذا كلام محكي بدئ بهمزة قطع وختم بتنوين ولم يقل أحد بوجوب الوقف على ما قالوا محافظة على الإتيان بهمزة القطع كما كانت في كلامهم المحكي ولا بوجوب الوقف على الميم بالسكون كما وقفوا عليه. بل يجوز الوصل إجماعًا فتراعى حالته قاله الدماميني.
(قال)﵊: (بر الوالدين) بالإحسان إليهما والقيام بخدمتهما وترك عقوقهما وللمستملي ثم بر الوالدين (قال) أي ابن مسعود ﵁ قلت: (ثم أي) بالتشديد والتنوين كما سبق (قال)﵊: (الجهاد في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله ﷿ وإظهار شعائر الإسلام بالنفس والمال. (قال) ابن مسعود ﵁: (حدّثني بهن) أي بالثلاثة (رسول الله ﷺ ولو استزدته) أي طلبت منه الزيادة في السؤال (لزادني) في الجواب.
فإن قلت: ما الجمع بين حديث الباب ونحو: إن إطعام الطعام خير أعمال الإسلام؟ أجيب: بأن الجواب اختلف باختلاف أحوال السائلين. فأعلم كل قوم بما يحتاجون إليه أو بما هو لائق بهم، أو الاختلاف باختلاف الأوقات فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال، لأنه وسيلة إلى القيام بها. ولا ريب أن الصلاة أفضل من الصدقة وقد تكون في وقت مؤاساة المضطر أفضل، أو أن أفعل ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق أو هو على حذف من وارداتها.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي، وفيه التحديث والإخبار والقول والسماع والسؤال، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الجهاد وفي الأدب والتوحيد، ومسلم في الإيمان، والترمذي في الصلاة وفي البر والصلة، والنسائي في الصلاة.