للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قيل له: أما ما رُوي عن حذيفة فقد بينَّا ضعفه، وأما أبو ثورٍ فيحتمل أن أحمد لم يظهر له خلافه في ذلك الوقت. وكذلك هذا القائل من الشافعية (١)؛ لأنه حدث بعد أحمد، ولم يظهر هذا في وقته عن الشافعي. والذي يبين هذا ما قاله في رواية المرُّوذي (٢): ما اختلف أحدٌ في نكاح المجوس أو ذبائحهم، اختلفوا في اليهود والنصارى، فأما المجوس فلم يختلفوا، وضعَّف ما جاء فيه.

قلت: قوله "لعله لم يظهر له خلافه" جوابٌ فاسدٌ، فإنه قد حكي له أن أبا ثورٍ يجيز نكاح المجوس، فقال: أبو ثورٍ كاسمه (٣)، ودعا عليه، وقال: لا فرَّج الله عمن يقول بهذا القول. والمسألة عنده مما لا يسوغ فيها الاجتهاد، لظهور إجماع الصحابة على تحريم مناكحتهم. وهذا مما يدلُّ على فقه الصحابة، وأنهم أفقه الأمة على الإطلاق، ونسبةُ فقه من بعدهم إلى فقههم كنسبة فضلهم إلى فضلهم، فإنهم أخذوا في دمائهم بالعصمة، وفي ذبائحهم ومناكحتهم بالحرمة، فردُّوا الدماء إلى أصولها، والفروج والذبائح إلى أصولها.


(١) هو أبو إسحاق المروزي (ت ٣٤٠) كما تقدم، وذكره النووي في "روضة الطالبين" (٧/ ١٣٦) مع أبي عبيد بن حربويه (ت ٣١٩) من المجيزين لنكاح المجوسيات.
(٢) "الجامع" (١/ ٢٤١).
(٣) انظر: "الرد على السبكي" لابن تيمية (١/ ١٤)، و"طبقات الشافعيين" لابن كثير (ص ٩٩)، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٣٧) ط. الشعب.