للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والله سبحانه حافظٌ لأوامرِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، فلا يَقَع شيءٌ منها غَلَطًا، فإنَّه مَحفوظٌ مَعصوم؛ فإذا أَمَرَ بشيءٍ على قضيَّةٍ تَستدعي ذلك الأمرَ بموجِبِ الحقِّ، وإن كان في باطنِ تلك القضيَّة ما لو عَلِم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لغَيَّر ذلك الأمر: جَعَل الله عز وجل الأقدارَ حائلةً دون إنفاذِ ذلك المقَدَّم، حتَّى تُكشَف له صلى الله عليه وسلم عن عواقبِ الأمورِ (١)؛ وهذا عينُ ما جَرى في هذه القَضيَّة!

وذلك: أنَّه لمَّا نَظرَ عليٌّ رضي الله عنه في حالِ ذلك الإنسانِ، وَجَدَه مَجبوبًا، «وأظهرَ الله مِن حالِ المَرْميِّ أنَّه حَصور، كلُّ ذلك مُبالغةً في صِيانةِ حَرَمِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإظهارًا لتكذيبِ مَن تَفَوَّهَ بشيءٍ مِن ذلك» (٢)؛ ولعلَّه لو رآه وعليه ثيابَه، وصَدَر منه ما يُضفي علىه لِباسَ التُّهمة: لم يَبِنْ لعَليٍّ رضي الله عنه أنَّه مَجبوبٌ إلَّا بعد قتلِه.

فحفِظَ الله بهذا ذِمَّة رسوله صلى الله عليه وسلم مِن أن يجري فيها غَلَط يُشبه الغَدر، كما حفِظَها مِن أن يَجري فيها حقيقةُ الغَدر (٣).

هذا؛ ومِمَّا يَكشِفُ غِشاوةَ الإشكالِ عن فهم هذا الحديثِ:

ما جاء في روايةٍ أخرى للحديثِ بَسيطة، بمَساقٍ أكملَ وأوضح لتصوُّرِ الحادثة مِن هذا اللَّفظ المختصرِ في «صحيح مسلم»، يقول فيها علي رضي الله عنه:

«كَثُر على مارية أمِّ إبراهيم ابنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم في قِبطيٍّ ابنِ عمٍّ لها، كان يزورها، ويختلِفُ إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي: «خُذْ هذا السَّيف، فانطلِقْ إليه، فإن وَجَدتَّه عندها فاقتُله»، فقلتُ: يا رسول الله، أكون في أمرِك إذْ أرسلْتَني كالسِّكَة المُحماة لا يُثنِيني شيء، حتَّى أمضي لمِا أرسلتني به؟ أو الشَّاهدُ يَرَى ما لا يَرى الغائبُ؟ قال: «بل الشَّاهدُ يَرى ما لا يَرى الغائب!».

يقول عليٌّ رضي الله عنه: فأقبلتُ مُتوشِّحًا السَّيف، فوجدتُه عندها، فاخترَطتُ السَّيفَ، فلمَّا أقبلتُ نحوَه، عَرَف أنِّي أريده، فأتى نخلةً فَرَقَى فيها، ثمَّ رَمَى


(١) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٦).
(٢) «المفهم» (١٦/ ٦٣).
(٣) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>