للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المَبحث الأوَّل

بدء نشوء الاتِّجاه العقلانيِّ الإسلاميِّ المُعاصر

أوَّل تَجدُّدٍ لهذا الاتِّجاه العَقلانيِّ الحديثِ في نظرِه إلى الشَّريعة ونصوصِها كانَ أواخرَ القرنِ الثَّالث عشر في المشرق العربيِّ ابتداءً، إبَّان ضعفَ الخلافةِ العُثمانيَّة، وانتكاسةِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ ريادةً وحَضارةً، بإزاء تَقدُّمٍ عِلميٍّ وتقنيٍّ وعسكريٍّ لأُمَم الغَربِ؛ أدَّى تَسلُّطهم الحضاريِّ على ضَعَفَة المُسلمين بقوَّة البارودِ ممزوجًا بمِدادِ المَطابع، إلى بروزِ اتِّجاهاتٍ فكريَّةٍ مُواليةٍ لهم، ممثَّلة بقوَّة في التَّيار العَلمانيِّ الغالي الَّذي صار لسانَ المُحتلِّ بين بَني جِلدَتِهم، يُحسِّنون للنَّاسِ أفكارَهم، ويُجمِّلون لهم أنماط معايشهم.

حينَها هالَ الخَطبُ فقهاءَ الأمَّة ومُفكِّريها، فهرعوا إلى ردعِ تلك الحَملاتِ المُتسلِّلة إلى العقلِ الجَمْعيِّ مَذاهبَ شَتَّى، كلٌّ يَدَّعي التَّمكُّن من زِمام الإصلاح، كان منهم فِئةٌ على قناعة من أنَّ ربط جَأشِ المسلمينَ وتَثبيتهم على الدِّينِ لا يتمُّ إلَّا ببيانِ الوِفاقِ الحاصلِ بين الإسلام وما انبهر به النَّاس مِمَّا وصلَت إليه الدُّوَل الإمبرياليَّة مِن تَقدُّمٍ في شتَّى العلومِ الماديَّة.

فما برحوا يطمئنون أهل الثَّقافة على وَلاءِ الإسلامِ للحُريَّاتِ الفرديَّة، فسوَّغت النَّظرَ العقليَّ المُجرَّد إلى نُصوصِه على نَمطٍ يخالف ما عُهِد إليهم مِن أسلافِهم، مُتَعذِّرين بأنَّ الأمرَ لا يَعدو أن يكون عَودًا بالنَّظرِ في دَلالاتِ بعضِ النُّصوصِ لتَنسجِم مع قطعيَّاتِ الحضارةِ الوافدة، أو عودًا بالنَّظر في أمر ثبوتِها من

<<  <  ج: ص:  >  >>