للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلِعلمِ أصحابِه رضي الله عنهم بمَوفورِ أجرِ مَن طَلَب ما غابَ عن عِلْمِه مِن مَعانِي الوَحْيِ، أقدموا على السُّؤال عن المُشكِلاتِ سُؤالَ المُتعلِّم لا المُتعنِّت، فإنَّ أحدًا مِن أصحابِه رضي الله عنهم لم يَقُل «إنَّ عقلَه مُقَدَّم على قولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما كان يُشكِلُ على أحدِهم قولُه، فيسأل عمَّا يزيل شُبهَته، فيَتَبيَّن له أنَّ النَّصَّ لا شُبهة فيه» (١)، وإن كان مِثلُ هذا «لم يَقَع مِن الصَّحابةِ إلَاّ قليلًا، مع تَوجُّهِ السُّؤال وظهوره» (٢).

أمَّا إن كان النَّص مُتَوقَّفًا في ثُبوتِه، مُحتمِلًا للخطأ في نقلِه، فإنَّ السَّلَف «الَّذين يَروُون الخبرَ على اشتمالِ أمرٍ باطلٍ، تارةً يَردُّونَه، ولا يَقبلون أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَه، وتارةً يُفسِّرونَه، ويتأوَّلونه بأمورٍ أخرى، وإن خَالَف الظَّاهرَ؛ فهذا القَدْرُ قد وَقَع مِن بعضِ الصَّحابةِ في مَواضع، ومِن التَّابعين أكثر، وكُلَّما تأخَّرَ الزَّمان كان وُقوعه أكثر.

لكنْ إذا تَأمَّل العالمُ ما وَقَع مِن الصَّحابة والتَّابعين، وَجَد الصَّواب والحقَّ كان في الخَبرِ الصَّحيحِ، وأنَّ الَّذي غَلَّط راويَه برأيِه، كان هو الغالِطَ، وإنْ كانَ عظيمَ القدرِ، مَغفورًا غلطُه، مُثابًا على اجتهادِه» (٣).

والحقُّ؛ أنَّه لم يكُن في علماءِ الأمَّةِ المَرضيِّين، مَن يَردُّ حديثًا بَلَغه مِن وجهٍ صحيحٍ، إلَّا لعُذرٍ يحتمِلُه له أكثرُ أهلِ العلمِ على الأقلِّ (٤)، وهذه الأعذار الأصوليَّة نفسُها، يكون العالِم في بعضِها مُصيبًا، وفي بعضِها الآخر مُخطِئًا (٥).

يقول ابن تيميَّة: «لم يكُن في أئمَّةِ المسلمين مَن يقول: هذا خبرٌ واحدٌ في المسائلِ العِلميَّة، فلا يُقبَل، أو هذا خبرٌ واحدٌ مُخالفٌ للعقلِ، فلا يُقبَل، ومَن


(١) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٥/ ٢٢٩).
(٢) «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (١/ ١٩٧).
(٣) «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (ص/٥٧).
(٤) انظر «الأنوار الكاشفة» للمعلمي (ص/١١).
(٥) انظر «الرسالة» للشافعي (ص/٤٥٨ - ٤٦٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>