للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لكن المُعترض لم يُبال بهذا الحديث، ولا أثار انتباهَه تبويبُ البخاريِّ عليه: «باب: مَن طَلَّق، وهل يواجه الرَّجل امرأتَه بالطَّلاقِ» (١)!

ويَظهرُ أنَّه قد الْتَبَسَ عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «هَبِي نفسَك لي .. »، فحملَه على معنى الاسِتوْهابِ الَّذي يكون مِن الرَّجلِ لأجنبيَّةٍ يريد نِكاحَها، مع ما غُبِّي عليه مِن عدم جريانِ ذكرِ صورةِ العَقد في الحديث!

وقد تبيَّنَ لك قبلُ أنَّ الجونيَّة لم تكُن أجنبيَّةً وقتَ القصَّة بل زوجةً، والعَقْدُ بها لم يُذكَر في الرِّوايةِ اختصارًا واكتفاءً بعلمِ السَّامع به، وأنَّه إنَّما قال لها «هَبِي نفسَك لي»: لِما رأى مِن تمنُّعها وانحِيادِها عنه، فقال ذلك «تطيِيبًا لقلبِها، واستمالةً لها» (٢).

أمَّا جوابها له صلى الله عليه وسلم بقولهِا: «وهل تَهَب المَلِكَة نفسَها للسُّوقَة؟!»:

فإنَّ الوصفَ بالسُّوقةَ ليس مِن بابِ الشَّتِيمة -كما هو دارجٌ عند عَوامِّ النَّاس، نِسبةً إلى أهل السُّوق- هذا جهلٌ بوَضعِ العربيَّةِ عند أهلِها وقتَ التَّنزيل؛ «إنَّما السُّوقة عند العَرب: مَن ليس بمَلِكٍ، تاجرًا كان أو غير تاجرٍ، بمنزلةِ الرَّعيَّة الَّتي تَسُوسها الملُوك، وسُمُّوا سُوقةً لأنَّ المَلِك يسُوقُهم فينساقون له، ويصْرِفهم على مُرادِه» (٣).

فكأنَّها استبعَدَت أن تَتزوَّج المَلِكَة مَن ليس بمَلِكٍ! بعد أن ظنَّت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مِن ذَوِي القصورِ والخُدَّامِ ونحوِ ذلك ممَّا يَتَحلَّى به المُلوكِ في سُلطانِهم؛ لكنَّه صلى الله عليه وسلم لكريمِ شِيَمِه «لم يؤاخِذها بكلامِها، مَعذرةً لها لقُربِ عَهدِها بجاهِليَّتها» (٤)، بل أهْوَى بيدِه عليها يَتَلطَّفُها لتسكُن.


(١) حيث إنَّ في قوله: «اِلحقي بأهلك» محلَّ الشَّاهد للتَّرجمة عند البخاريِّ، وهو كناية عن طلاقها.
(٢) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٣٦٠).
(٣) «كشف المشكل» لابن الجوزي (٢/ ١٣٣).
(٤) «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٣٥٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>