للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الدَّواء نفسِه، أي: أنَّ الحبَّة السَّوداء شِفاء كاملٌ لبعضِ الأمراض، أمَّا باقي الأمراض وإن لم تعالجها الحبَّة السَّوداء بمُفردها، ففيها نِسبةٌ مِن شفاءِها، فتدخل في تركيبةِ الشِّفاء بوجه ما، وليس الشِّفاء الكامل الَّذي لا يُحتاج معه إلى غيره.

وهذا ما أشار إليه ابن حجر بقوله: «معنى كونِ الحبَّة شفاءً مِن كلِّ داءٍ: أنَّها لا تُستعمل في كلِّ داءٍ صرفًا، بل ربَّما استُعملت مُفردةً، وربَّما استُعملت مركَّبةً، وربَّما استُعملت مسحوقةً، وغير مسحوقةٍ، وربمَّا استُعملت أكلًا، وشربًا، وسعوطًا، وضِمادًا، وغير ذلك .. » (١).

فعلى هذا؛ لا بأس من حملِ الحديث على عمومِهِ لكن بهذا الاعتبار، بأن يكونَ المُراد بذلك ما هو أعمُّ مِن الإفرادِ والتَّركيب، وهذا لا مَحذور فيه، ولا خروج به عن ظاهر الحديث، بل بهذا التَّأويلِ نكون قد جمعنا بين كِلا الاعتبارين: التَّبعيض في الأدواء، والنِّسبيَّة في الدَّواء، ليتحقَّق كون الدَّواء المذكور في الحديث شفاءً لكلِّ داء في جميعِ الأحوال، سواء كان كاملًا بمفردِه، أو بنسبةٍ منه، مع اشتراك غيره معه.

أمَّا أنَّها الشِّفاء الكامل لكثيرٍ مِن الأمراض: فأمرٌ معروف عند الأطبَّاء بل العامَّة في القديم والحديث، والمُتقدِّمون عدَّدوا كثيرًا مِن العِلل الَّتي تداويها الحبَّة السَّوداء في مؤلَّفاتهم عن الطِّب النَّبويِّ أو الأدويةِ بعامةٍ (٢)، والدِّراسات الطبيَّة الحديثة طافحة بذكر مزايا هذه النَّبتة في علاجِ كثير من الأمراض (٣).

وأمَّا أنَّ الحبَّة السَّوداء فيها نِسبةٌ تدخل في دواءٍ كلِّ الأمراض: فذلك لأنَّ المعلومَ بداهةً أنَّ أيَّ داءٍ يصيب جسد الإنسان يكون لسببٍ خارجيٍّ: مثل


(١) «فتح الباري» (١٠/ ١٤٤).
(٢) انظر على سبيل المثال: «الحاوي في الطِّب» لأبي بكر الرازي (٣/ ٤١٢، ٤١٨)، و «القانون في الطب» لابن سينا (٣/ ٤٠٩)، وجمع ابن القيم أغلب ما كتبه المتقدمون فيها في «زاد المعاد» (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٦).
(٣) كسكَّرِ البول، وارتفاع ضغط الدَّم، وتليُّف الكَبد، والرَّبو، والقضاء على الالتهابات البكتيريَّة والفيروسيَّة والفطريَّة، بل قدرتها على تخفيضِ نسبة الدُّهون في الجسم، وحماية المعِدة مِن التَّقرح، وعلاج القُرحة، وحماية الكَبد مِن السُّموم، وغير هذا كثير انظر «الحبة السوداء في الحديث النبوي والطب الحديث» لـ د. عبد الله باموسى (ص/٢٤)، و «الحبة السوداء» لـ د. عبد الله السعيد (ص/٣٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>