للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والإقناع؛ فلذا شيَّدوا لها المَدارس، وأقاموا عليها أساتذةً مُستَشرقين يُعلِّمون النَّشءَ أنماطًا جديدةً مِن التَّفكير دخيلة، ويبثُّون في عقولهم أفكارًا مَغلوطةً عن الإسلام، ويُزيِّنون في أنظارِهم أساليبَهم المُستحدثةَ للحياة (١).

ومع أنَّنا مَعاشر المُسلمين، تكاد تَنعدِم عندنا الأسبابُ الباعثةُ لأهلِ أوربا للثَّورة على الدِّين، واستحداثِ العَلمانيَّة بديلًا له؛ فإنَّ دينَهم يَفتقرُ إلى التَّشريعات الشَّاملة، ولا يَرسُم مَعالم للحكمِ، بينما دينُنا دين عقيدةٍ وشريعةٍ، نَظَّم حقوق النَّاس مِن الفَرد إلى الدَّولة.

كما أنَّ رجالَ دينِهم كانوا أعداء العلوم الكونيَّة والفِكر المُتعقِّل، بينما دينُنا رَحَّب بذلك كلِّه، بل جهابذةُ العلومِ لم يَبرُزوا إلَّا تحت ظِلِّه؛ ولم يَدَّعي منهم أحَدٌ أنَّه يحكم باسم الله، ولا أنَّه مَعصومٌ من الله، إلَّا ما كان مِن بعضِ الدُّوَلِ البَّاطنيَّة المنحرفة في فارس والشَّام ومصر، سُرعانَ ما أجهزَ عليها المُسلمون ونَكَّلوا بزَنادِقتها.

فلقد كان الأصلُ -بالنَّظر إلى هذه الاعتبارات المُنشئة لفكرة العلمنة- أن تبقى بلادُ الإسلام مَنيعةً عن قَبولِ ضَلالِها واحتضان دُعاتها؛ لكنَّ انبهارَ النُّخَب السِّياسيَّة والفكريَّة منهم بسطوةِ الحضارةِ الغربيَّة، حتَّى أنَّهم رَبطوا سَفَهًا «بين النَّهضة العَربيَّة، وبين النَّهضة الأوربيَّة في كلِّ شيءٍ! فرَبطوا مُستقبلَهم بأوربا على هذا النَّحو، وانجرفوا في سبيل «النَّهضة العربيَّة» نحوَ التَّصوُّراتِ العَلمانيَّة الغربيَّةِ للمُجتمع، على المُستوَيين الفِكريِّ والسِّياسي» (٢).

هذا؛ مع ما كانَ عليه جملة المُسلمين مِن ضَعفٍ نَفسيٍّ إزاءَ هذه الغلبة، وقابِليَّةٍ منهم لاتِّباعِها، وتخويفِهم من إثارةِ النَّزعات الطَّائفيَّة والعِرقيَّة، سبيلًا لإقناعِهم بضرورةِ الادِّثارِ بثوبِ العَلمانيَّةِ، فإنَّها بزعمهم على مَقاس الكُلِّ مسلمًا


(١) انظر رسالة «الطَّريق إلى ثقافتنا» لمحمود شاكر (ص/١١٣).
(٢) أشار إلى هذا المُستشرق الرُّوسي (ليّين زيلمان) في كتابه «الفكر الاجتماعي والسياسي في لبنان وسوريا ومصر» (ص/٤٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>