للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تفسيرِ ظلالِه لسورة الفيل، إلى أنَّ نِيَّة الرَّجُلين في الذَّبِ عن الدِّين لا تَشفعُ لقبولِ ما أفسَداه مِن منهجِ التَّسليم لنصوصِ الوَحيِ، فيقول:

« .. مُواجهةُ ضغطِ الخُرافةِ مِن جِهة، وضغطِ الفتنةِ بالعلمِ مِن جهةٍ أخرى: تَرَكت آثارَها في تلك المدرسةِ مِن المُبالغةِ في الاحتياطِ، والمَيلِ إلى جعلِ مَألوفِ السُّنَن الكونيَّة هو القاعدة الكُليَّة لسُنةِ الله، فشاعَ في تفسيرِ الأستاذِ الشَّيخ محمَّد عبده - كما شاعَ في تفسيرِ تلميذَيْه: الأستاذ الشَّيخ رشيد رضا، والأستاذ الشَّيخ عبد القادر المغربي -رحمهم الله جميعًا- شاعَ في هذا التَّفسيرِ الرَّغبةُ الواضحةُ في ردِّ الكثيرِ مِن الخَوارقِ إلى مَألوفِ سُنة الله دون الخارق منها، وإلى تأويلِ بعضِها، بحيث يُلائم ما يُسمُّونه (المعقول)! وإلى الحَذرِ والاحتراسِ الشَّديدِ في تَقبُّل الغَيبيَّات».

ثمَّ يقول: « .. ومع إدراكِنا وتَقديرِنا للعواملِ البِيئيَّة الدَّافعة لمثلِ هذا الاتِّجاه، فإنَّنا نلاحظ عنصرَ المُبالغة فيه، وإغفالَ الجانبِ الآخر للتَّصورِ القرآنيِّ الكامل، وهو طلاقةُ مَشيئة الله وقدرتِه مِن وراء السُّنَن الَّتي اختارها -سواء المَألوف منها للبَشر، أو غير المَألوف- هذه الطَّلاقة الَّتي لا تجعلُ العقلَ البَشريَّ هو الحاكمَ الأخير، ولا تجعل معقولَ هذا العقلِ هو مَردَّ كلِّ أمرٍ، بحيث يتحتَّم تأويلُ ما لا يوافقه، كما يتكرَّر هذا القول في تفسيرِ أعلامِ هذه المدرسة» (١).

حتَّى مَن كان مِن الفقهاء مَحسوبًا على السَّلفيَّة الإصلاحيَّة، لم يترك العلماء الرَّد عليه إن أبْدَى زللًا في موقفِه مِن النُّصوصِ يَرَونه تابَع فيها عبدُه أو تلميذه؛ كحالِ ابن العربي العَلويِّ الفاسيِّ (ت ١٣٨٤ هـ) (٢) حين حلَّ بمُرَّاكش مرَّةً، حدَّث


(١) «في ظلال القرآن» (٦/ ٣٩٧٨).
(٢) محمد بن العربي العلوي المدغري الحَسَني: فقيه علَّامة، نَشَأ في أوَّلِه مُتصوِّفًا على الطَّريقة التِّجانيَّة، ثمَّ رجع عن ذلك، واصبغ بالسَّلفيَّة بعد أن لقِيَ شيخَه بو شعيب الدُّكالي قافلًا من المشرق، درَّس في جامع القرويِّين بفاس، مُنافحًا عن مذهبه الجديد في محاربة البدع، فكانت لدعوته أثر بليغ وقته في المغرب، وأفتى بعض مُخالفيه من أرباب الأضرحة بكُفره، ثمَّ ترَّقى في المناصب حتَّى صار وزيرًا للعدليَّة، وصار يُلقَّب من مُحبِّيه بشيخ الإسلام، وكان السَّبب في توبةِ تلميذه محمد تقي الدِّين الهلالي من الطَّريقة التِّجانيَّة، توفي (١٣٨٤ هـ ١٩٦٤ م)، انظر ترجمته في «سَل النِّصال» لابن سودة (ص/١٩٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>