للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كذلك قال الَّذين مِن بعده مثل قولِه (١)! وكأنَّ شُغل المُحدِّثين من المُتقدِّمينَ كان مُنحصرًا في التَّقميشِ لِما يسمعون، دون تفتيشٍ عن صلاحِيَتِه للحُجَّة! وكأنَّهم مَعاشرُ دَراوِيش غير مُخاطَبين بتلكِ النُّصوص النَّبويَّةِ، فأجْزَأَهم -لقلَّةِ أفهامِهم وضِيقِ أوقاتِهم- أن ينقلوها إلى الأجيالِ اللَاّحقةِ، لتنظرَ هي في حُجِّيَتِها دونهم.

لكنْ وَا أسفَ (عَفانةَ) على تَرِكةِ السَّلف! فإنَّه لم يَجِد مَن «يَأتِ بعدَهم فيُمحِّص متونَ الآثارِ والأحاديث! ليَقِف النَّاس على صَحيحِها مَتنًا وسَندًا، وذلك برَدِّها إلى كتابِ الله الكريم، وعَرْضِها على روحِ الشَّريعةِ، إنَّه للأسفِ الشَّديدِ لم يحدُث مِن ذلك إلَّا القَليل، بل الَّذي حَصَل: هو تسليمُ غالبيَّةِ الفقهاءِ بصحَّةِ متنِ الحديثِ إذا صَحَّ سَندُه» (٢).

فهذا الظَّن السَّيء في جهودِ الشَّيخين وسائر إخوانهما من المُحدِّثين لحفظِ السُنَّة، هو ما أَزَّ هذا الكاتبَ ومن على شاكِلَتِه للسَّعيِ في سَدِّ ما يَرونَه فجوةً تراثيَّة عظيمة، تَعَلَّلوا بها تسويدَ نَقَداتٍ في مُخلَّفاتِ الآثارِ، يبتغونَ تخليصَ الدِّينِ مِن مُقحَماتِ الأخبارِ الزَّائفة؛ حتَّى رأينا مَن تعَذَّر بنفسِ هذه الدَّعوى لتَصنيفِ كتابٍ في «تجريدِ البخاريِّ ومسلمٍ مِن الأحاديثِ الَّتي لا تَلزم»، يزعم فيه «أنَّ الاعتمادَ شِفاهًا أو عَنْعَنةً على السَّنَدِ، لتقديرِ حالةِ الحديثِ، وصِحَّتِه مِن عَدَمِه، لا يُمكِن أن يُقبَل، وإنَّها -دون أقلِّ شكِّ- سَمَحت بدخولِ الكثيرِ مِن الأحاديثِ المَوضوعة أو الضَّعيفةِ أو الرَّكيكةِ» (٣)!

وبهذا يكون لُبُّ دعوتِهم هو «استمرارُ عمليَّة نقدِ نصوصِ الحديث النَّبوي، وإبقاءِهذه النُّصوص مُنفتحةً ومُتحرِّكةً، وقابلةً للتَّجدُّد، عن طريق مُواصلة عمليَّةِ


(١) انظر -مثلا- «الحقُّ الَّذي لا يريدون» لعدنان الرفاعي (ص/٢٦).
(٢) «اللِّباس الشرعي وطهارة المجتمع» (ص/٨).
(٣) «تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث الَّتي لا تلزم» لجمال البنا (ص/٨، ١٣)، انفتقَت فيه قريحتُه عن اكتشافِ اثنَي عَشر معيارًا قِرآنيًّا لنقدِ المتون، يُفتَرض ألَّا يخالفَ أيُّ حديثٍ واحدًا منها، هذه المَعايير كافيةٌ عنده لتكون العِوَضَ عن منهجِ المحدِّثين عُشَّاقِ الأسانيدِ!

<<  <  ج: ص:  >  >>