للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويقول ابن بطَّال الأندلسيُّ (ت ٤٤٩ هـ): «أمَّا مَن عَمِلَ الخطايا ولم تَأْتِهِ المغفرةُ؛ فإنَّ العلماء مُجمِعون أنَّه لا يجوز له أن يحتجَّ بمثل حجَّة آدم، فيقول: أتلومني على أن قتلت، أو زنيت، أو سرقت؛ وقد قدَّر الله عليَّ ذلك؟! والأمَّة مجمعة على جواز حمْد المحسن على إحسانه، ولَوْم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه» (١).

وفي مقابل هؤلاء؛ نرى مخالفيهم مِن القَدريَّة يفهمون مِن الحديث خلاف هذا الظَّاهرِ، فتقاطعت فهومُهم على أنَّه يدلُّ على صحَّةِ الاحتجاجِ بالقَدَر على المَعايب! وعلى هذا الاعتبار يسقط اعتبارُ التَّكليف والمؤاخذةِ على الجُرْم؛ وبهذا الفهمِ المغلوطِ للخَبر، والتَّأسيس لظاهرٍ ليسَ هو في الحقيقةِ الظَّاهر الحقيقيَّ الَّذي قَصد المتكلِّم بالنِّص الإفصاحَ عنه، أسَّسوا لردِّ الحديث والطَّعن في دلالتِه.

وقد بيَّنا انَّ الظَّاهرِ الحقيقيِّ للحديث مفارقٌ للظَّاهرِ الَّذي ادَّعوه؛ فإنَّ نصَّه بسياقِه يدلُّ على أَحدِ أمرين:

إمَّا أنَّ اللَّومَ لا يتوجَّه في المصائب، لجَرَيان القَدر السَّابقِ بها؛ فيرتفع حينئذٍ اللَّوم.

ب- أو أَنَّ اللَّوم لا وجهَ له بعد التَّوبة مِن الذَّنب، لا قبله.

وفي كِلتا الدَّلالتين ما يَنفي دلالة النَّصِ على تسويغِ الاحتجاج بالقَدَر على غِشيان الذُّنوب، وركوبِ المَحارم؛ لمُجرَّدِ جَرَيان القَدَر بها؛ والبَوْن فسيح بين الظَّاهر الحقِّ المَدلول عليه بهذا الحديث، وبين الظَّاهر المتوَهَّم الَّذي استبطنَه الطَّاعنون به.

فإذا تحرَّر لنا مَثَار الغَلط في فهم المسألة؛ تبيَّن أنَّ ما أثاره الطَّاعنون حول الحديثِ قضايا ليست موضوعيَّة، وما ساقوه في حقيقته طعنٌ في الظَّاهر الَّذي تَوهَّموه، لا الظَّاهر الَّذي دَلَّ عليه الخَبر وأراده مُخبِرُه؛ والحمد لله ربِّ العالمين.


(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطَّال (١٠/ ٣١٥ - ٣١٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>