للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولقد خَصَّ الله تعالى نبيَّنا صلى الله عليه وسلم بخاصِّيةٍ كَمُل بها إنعامُه عليه؛ بأنْ أعانَه على شيطانِه حتَّى صحَّ إسلامُه، فلا يأمرُه إلَّا بخير، وهذه خاصَّة لم يُؤْتَها أحدٌ غيرُه، لا عيسى، ولا أمُّه» (١).

وأما دعوى المُعترضِ في الثَّانية: في أنَّ الحديثَ مُناقضٌ لِما ثَبَت في الطِّب مِن أنَّ سَبب صُراخِ كلِّ مَولود حين ولادتِه هو دخولُ الَهواء لأوَّلِ مرَّةٍ لرِئَتِه.

فالجواب عليه:

على تقديرِ أنَّ ما ذَكَره الأطبَّاء بَلَغ إلى حَدِّ الحقيقة العلميَّة المقطوع بها؛ فإنَّ قُصاراهُ: أن يكون كشْفًا عن السَّببِ القريبِ المَحسوسِ لاستهلالِ المَولودِ صارخًا، وهذا التَّفسير العِلميُّ لا يَقضي بامتناعِ أسبابٍ أخرى عَزُبَ الخلْق عن دركِها، لقصورِ مَدارِكِهم عن الإحاطةِ بكلِّ حقيقةٍ (٢).

نقول هذا على تقديرِ صِحَّة ما وَصل إليه بعض الأطبَّاءِ في بحثٍ في هذا المَجالِ، وبلوغه مَبلغَ القطعيَّات؛ فلمَّا توَّجَه نظرُنا إلى التَّحقُّقِ مِن هذا البلوغِ وصحَّته، وجدنا الأمرَ لا يَعدو أن يكون فرْضًا يَتطرَّق الوَهم إليه، لا حقيقةً علميَّةً عند الأطبَّاء، كما أوْهمَه المُعترِض!

لقد لاحظَ الأطبَّاء تَزامن بُكاءِ الطِّفلِ حين الولادةِ مع أخذِه لأنفاسِه الأولى، فافترضَ بعضُهم أنَّ البكاءَ مَردُّه إلى إحساسِ المَولود بألَمٍ جرَّاء دخولِ الهواءِ إلى رِئَتَيه، وخالفهم آخرون، فافترضوا إيعازَ صرخةِ الوَليد الأولى إلى «الغَضبِ المُضْمَرِ فيه على عَمليَّة طردِه مِن الرَّحِم» (٣).

هذا فيما ظَهَر لهم، وإلَّا فإنَّ البروفيسور (ورْدون بُورْن gordon bourne) - وهو من كِبار أطبَّاء الولادة في بريطانيا- يعترِف في كتابِه «الحَمل» (٤) بأنَّ السَّببَ الدَّقيق للبكاءِ وبدءِ عمليَّةِ التَّنفسِ: لا يزال مَجهولًا!


(١) «المفهم» لأبي العباس القرطبي (٦/ ١٧٨).
(٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٧٣٨).
(٣) «الجنين، متابعة مُوثقة بالصُّور» لـ د. توما شماني (ص/٢٧).
(٤) «الحَمل» ترجمة د. زيد الكيلاني) ص/٤٨٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>