للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يقول أبو المظفَّر السَّمعاني (ت ٤٨٩ هـ): «فصلُ ما بيننا وبين المُبتدعةِ هو مسألةُ العقل، فإنَّهم أسَّسوا دينَهم على المَعقولِ، وجَعلوا الاتِّباعَ والمأثورَ تَبعًا للمَعقول» (١).

والمُتقَرَّر لمَن قَلَّب صَفحاتِ التَّاريخِ وعايَنَ مناهجَ الفِرَق الإسلاميَّة في الاستدلال الشَّرعي: أنَّ عصرَ الصَّحابةِ وكبارِ التَّابعين لم يَكُن فيه مَن يُعارض النُّصوصَ بمناهج عَقليَّةٍ محضةٍ كالمُستحدَثَة بعدهم؛ بل لم يكُن لهم اشتغالٌ بغيرِ الكتابِ والسُّنة لتحصيلِ المَطالب الدِّينيَّة، «فالخوارجُ والشِّيعة إنَّما حَدَثوا في آخرِ خلافةِ علي رضي الله عنه، والمُرجئة والقَدريَّة حَدَثوا في أواخرِ عصرِ الصَّحابة رضي الله عنهم، وهؤلاء كانوا ينتحِلون النُّصوصَ، ويَستدلُّون بها على قولهم، لا يَدَّعون أنَّ عندهم عقليَّاتٍ تُعارض النُّصوصَ» (٢).

وفي تقريرِ هذه الحقيقةِ التَّاريخيَّة المنهجيَّة عند الصَّحابةِ رضي الله عنهم، يقول المَقريزيُّ (ت ٨٤٥ هـ):

«مَن أمْعنَ النَّظرَ في دواوين الحديثِ النبويِّ، ووَقَف على الآثارِ السَّلفيَّة، عَلِم أنَّه لم يَرِد قَطُّ مِن طريق صحيحٍ ولا سَقيمٍ عن أحدٍ مِن الصَّحابةِ رضي الله عنهم، على اختلافِ طبقاتِهم وكثرةِ عَددِهم .. أنَّه عرَف شيئًا مِن الطُّرقِ الكلاميَّة، ولا مسائل الفلسفة، حتَّى مَضى عصر الصَّحابة رضي الله عنهم على هذا» (٣).

حتَّى إذا تطاوَل بالنَّاس الأمَد، وابتعدوا عن أنوارِ النُّبوَّةِ الأولى، ودَخَل في الدِّينِ مَن لم ينفَكَّ عن رَواسبِ الجاهليَّة، دبَّ الافتراقُ الشَّديد في مناهج اعتقاد الأمَّة، وانشطَرت إلى فِرَقٍ جانَبَت هَديَ السَّلف الصَّالحين، وفَشَت فيهم مناهج مُستحدَثةٌ في التَّلقي والاستدلال.

وفي تقرير هذا الانحراف المَعرفيِّ، يقول السُّيوطي (ت ٩١١ هـ): «إنَّ علومَ الأوائل دَخَلت إلى المسلمين في القرنِ الأوَّل لمَّا فتحوا بِلاد الأعاجم، لكنَّها لم


(١) «الحجة في بيان المحجة» للسَّمعاني (١/ ٣٤٧).
(٢) «درء التعارض» لابن تيمية (٥/ ٢٤٤).
(٣) «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (٤/ ١٨٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>